المديريات

مديرية صدد

القائمة الرئيسية

 الصفحة الأولى

 عقيدتنا
· المحاضرات العشر
· نشوء الأمم
· الاسلام في رسالتيه
· مقالات في العقيدة

 مقالات مختارة
· تاريخية
· ساسية
· اجتماعية
· من الأصدقاء
· مقالات عن حمص
· مقالات عن سوريا
· مقالات عن الحزب

 معرض الصور
· صور من أحياء حمص القديمة
· صور من الأرشيف لحمص
· صور حديثة لحمص
· صور من المديريات

 معرض الفيديو

 متحف حمص
· صور لتحف حمص
· وثائق من حمص

 الأخبار
· أخبار حمص
· أخبار الأمة
· أخبار منفذية حمص
· أخبار الحزب السوري القومي الاجتماعي

 للاتصال بنا
· للاتصال بنا
· للتعريف بنا
· لارسال خبر

 أرشيف
· أرشيف المقالات

 خريطة الموقع
· خريطة الموقع

من صور المعرض

حمام الباشا 2
حمام الباشا 2

ساحة باب السوق ق 19
ساحة باب السوق ق 19

خميس المشايخ
خميس المشايخ

معرض الصور

عداد الموقع

تم استعراض
3029740
صفحة للعرض منذ 1 أذار 2009

من يتصفح الأن

يوجد حاليا, ضيف/ضيوف عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

سلسلة ملوك سوريا
أرسلت بواسطة m.semaan في الأربعاء 22 تموز 2009
مقالات عن سوريا

مقالات عن سوريا
بقلم نهاد سمعان
إنه لمن دواعي الاستغراب ألا يعرف الكثيرون في هذه الأيام شيئاً عمن يسمون في التاريخ العالمي ( ملوك سوريا ) أو ما يسميه المؤرخون في كل مصنفات التاريخ العالمي (الحروب السورية ) إنها ستة حروب إذا أضفنا إليها ( الحربين الرومانية السورية الأولى والثانية ) نصبح باستطاعتنا الإدراك بوضوح كيف تغير تاريخ العالم بعدها  .
إن أمة لا تعرف تاريخها لايمكن أن تعرف هويتها وبالتالي لا تستطيع أن تصنع مستقبلها فتبقى مسيّرة .. منفعلة .. غير فاعلة . يُصنع لها مستقبلها وحاضرها في مطابخ أعدائها دون أن تدرك ذلك
كثيرون يستطيعون الإجابة عن طبيعة وأسباب حرب البسوس أو حرب داحس والغبراء لكنهم  قلة الذين يعرفون شيئاً عن الحروب السورية الستة أو الحروب الفينيقية الثلاثة تلك التي دعاها المترجمون ( الغير أمناء ) عن حسن نية أو سوء نية الله أعلم ( الحروب الفونية أو البونية) حتى لا نشعر أنها تمت إلى أجدادنا بصلة إمعاناً منهم بتجهيل أبناء أمتنا بكل ما يمكن أن يعتزوا به ولوضع الحواجز بين عيوننا وأذهاننا وبين ما يمكن أن نستمد منه روح نهضتنا .
إن ما زاد من عزمي على كتابة شيء عن هذه الفترة الرائعة من تاريخنا هو إني فوجئت واستغربت لعدم وجود أي ذكر لهؤلاء الملوك في المنهاج الدراسي الرسمي لطلاب سوريا من الصف الأول وحتى الشهادة الثانوية بفروعها . وحتى على الإنترنيت لا يستطيع الباحث الوصول إلا إلى عناوين عريضة إذا كان لا يجيد إلا العربية ، بل على العكس فقد يجد بعض المعلومات المغلوطة خطها بعض الكتاب المصريين حولوا فيها القتيل إلى قاتل والمنتصر إلى منهزم والحكيم إلى غشيم .


لذلك قررت كتابة ما أمكنني الحصول عليه من مصادره الأولى بأمانة ودون اجتهاد ووضعة بتصرف الناس على المواقع الإلكترونية التي أستطيع التعامل معها وإيجاز البحث ما أمكن ليتناسب مع صفحات هذه الجريدة .
نبدأ بالتعريف بهؤلاء الملوك .  
أمر الإسكندر المقدوني الكبير ( ذو القرنين ) جيشه وقادته في سابقة فريدة من نوعها بعدم العودة إلى بلادهم والبقاء في البلاد التي فتحوها والتزاوج من نسائها .وإنجاب جيل هجين يكون أخواله من السكان المحليين فيصبح هذا الجيل من حكام المستقبل صلة وصل ومحبة بين الفاتحين وأبناء البلد .وفعلاً تمّ التمازج المطلوب لكن لم تمض عدة عقود حتى فعلت الطبيعة فعلها في الشعوب وتغلبت القوميات الناشئة من البيئات المختلفة على العرق واللغة والدين المشترك فأصبح لدينا بدل الدولة الهلنستية الواحدة عدة دول هلنستية متمايزة ، وظهر ما يعرف بالهلنستية السورية والهلنستية المصرية والهلنستية الفارسية وغيرها من البقاع التي وطئها الاسكندر . وبدا واضحاً تمايز هذه الدول في العمارة والفنون بل واندلعت حروب هائلة بين الدول المتمايزة ذات المنشأ الهلنستي
توفي الإسكندر المقدوني الكبير ذو القرنين العام 323 ق م في بابل لكنه لم يكن واضحاً بتحديد خلف له إذ قال : (الأقوى والأكثر أهلية ) وكانت الخيارات من خارج قادته العسكريين تنحصر بأخيه أرهيدي وابنه هرقل من برسين زوجته الأولى والجنين الذي حملت به الأميرة الفارسية روكسانا بالإضافة إلى بردكاس الذي أعطاه خاتمه قبل موته . هذه الخيارات جعلت الظروف مهيأة لنشوب صراع مرير على التركة العظيمة فنشأت حروب قتل أثناءها بردكاس سنة 321 ق م وأرهيدي سنة 317 ق م ووالدة الإسكندر سنة 316 ق م وروكسانا وابنها الذي سموه اسكندر في 311 ق م والطفل هرقل وأمه في 309 ق م وكليوباترا أخت الاسكندر سنة 301 ق م
اجتمع قادة الاسكندر العظماء في المنطقة التي تسمى اليوم جوسية الخراب قرب ربلة . (وما دير مار الياس الحي هناك إلا أحد خرائبها ) إذ كان فيها منتجعات وحمامات ورياض جميلة فآلت الأمور في البداية إلى قسمة التركة إلى أربعة أقسام بين العظماء الأربعة :
1 - أنتيباتر- اختص بمكدونيا وسائر اليونان
2 – أنتيغونس – اختص بأسيا الصغرى وسوريا الشمالية والغربية
3 – بطليموس – اختص بمصر
4 - سلوقس – اختص ببابل وما بين النهرين وفارس وحتى الهند
لم تمض فترة قصيرة حتى نشبت حروب بين العظماء الأربعة كل واحد يريد أن يوسع مملكته ويسيطر على ثغورها وكما ذكرنا لم تكن سوريا غرب الفرات ومن ضمنها فلسطين مع سلوقس في البداية بل كانت مع أنتيغوس الذي يحكم آسيا الصغرى لكن بطليموس ملك مصر تغلب على أنتيغوس في 312 ق م في غزّة بمساعدة سلوقس وضم فلسطين إلى دولته المصرية مع جزء من فينيقيا الساحلية وأخذ سلوقس لنفسه جزءاً كبيراً من سوريا الشمالية
وفي معركة أخرى بين سلوقس وأنتيغوس الأعور في (   IPSUS في فريجيا الكبرى ) استطاع سلوقس انتزاع جزء من سوريا من الفرات وحتى المتوسط بالإضافة إلى الجزء الشرقي من آسيا الصغرى وضمها إلى مملكته وبنى على العاصي مدينة أنطاكيا وسماها على اسم والده أنطيوخوس وجعلها مقراً لحكومته وبحكم سلوقس هذا ظهر إسم ( ملوك سوريا ) لأول مرة في التاريخ
وباستتباب الحكم لسلوقس في أنطاكيا والشرق كله بدأ النزاع على سوريا الجنوبية ( فلسطين وبعض فينيقيا ) إذ إن بطليموس كان قد رسم حدود ملكه إلى شمال أرواد بقليل وجنوب حمص حتى حدود قادش،  فكان هذا الخط يتحرك بحسب تغير قوة الدولتين فأزيح إلى جنوب بيروت عام 250 ق م في فترة حكم أنطيوخوس الثاني حفيد سلوقس الأول وأزيح مرة أخرى ليشمل عموم سوريا في عهد أنطيوخوس الثالث الكبير الذي وحد سوريا الطبيعية بالكامل عام 197 ق. م . وأُطلق في تلك الفترة على المنطقة ما بين العاصي والفرات ومن ضمنها حمص اسم Parapotamia، أي شبه ما بين النهرين، وسادت في سوريا آنذاك اللغة اليونانية إلى جانب الآرامية.
وسع سلوقس مملكته في الشرق فوصل إلى نهر جيحون وإلى نهر السند فأصبحت المملكة السورية تشمل كل الأراضي التي احتلها الاسكندر في آسيا  تقريباً ... ولم يكتف سلوقس بذلك بل اجتاز الهلسبونت في عام 281 ق م ليحتل مكدونيا التي شغر عرشها مؤقتاً بموت ليسيماخوس لكن حظه تعثر وقتل هناك فنقل جثمانه من هناك إلى سلوقيا بيريا على مصب العاصي قرب أنطاكيا حيث دفن في مدفن أصبح فيما بعد مدفن السلالة السلوقية . أو ما يعرف بملوك سوريا .
وفيما يلي صورالملوك مخلدة على النقود التي ضربت في عهودهم في أنطاكيا وسلوقيا التي على دجلة ومدن الساحل السوريي . وفي الأعداد القادمة سنتكلم عن مآثرهم وأعمالهم وانتصاراتهم . :
 
 
لمحة عن سلسلة ملوك سوريا السلوقية وأهم أعمالهم
 
1 سلوقس الأول نيكاتور (المنتصر)
أول ملوك سوريا ومؤسس السلالة السلوقية
حاكماً: 312 - 305... ملكاً 305 - 280

 

 

سلوقوس الأول نيكاتور

 

 
   من مواليد مقدونيا بين عامي 354 و358 ق م والده أنطيوخوس ووالدته لاذقية (لاودوكيا) لا يؤكد عدد من المؤرخين صلة قرابته بالإسكندر لكنه حتماً كان من النبلاء لأنه تسلم قيادة فرقة (الفرسان الرفقاء) هذه الفرقة المؤلفة من النبلاء رفقاء الإسكندر.
   تزوج سلوقس من الأميرة أفاميا (أباما) الفارسية بأمر من الإسكندر في العرس الجماعي الكبير الذي عُقد في مدينة سوسا عام 324 ق م من أجل الاندماج مع الشعوب، لكنه بعد فترة اضطر إلى الزواج من (استراتونيكي) بنت القائد ديميتريوس ليكسب دعمه كما كانت العادة في ذلك الزمان لكنه وبعد أن نال مراده وتغيرت موازين القوى عاد إلى زوجته الأولى الفارسية أباما وتخلى عن استراتونيكي إلى ابنه أنطيوخوس الذي هام بها حتى درجة المرض
   سار سلوقس على نهج الإسكندر في نشر الهيلينية فبنى 33 مدينة حديثة منها 16 مدينة تحمل اسم والده أنطيوخس (أنطاكيا) وتسعاً على اسمه (سلوقيا) وخمساً على اسم أمه لاوذوكية (لاذقية) وثلاثاً على اسم زوجته(أفاميا).
أشهر هذه المدن اليوم
* سلوقية التي على دجلة والتي اتخذها عاصمة له في أول عهده في الملك
* أنطاكيا على العاصي حيث نقل عاصمته فيما بعد
* اللاذقية أفضل مرافئ الشام اليوم
* أفاميا المدينة الأثرية المطلة على سهل الغاب بالقرب من قلعة المضيق المبنية من حجارة مسرحها الكبير .. أفاميا التي تشهد أطلالها الرائعة اليوم على ما كانت عليه من عظمة فقد كانت بموقعها القريب من مستنقعات سهل الغاب الغني بالخضرة والعلف الاسطبل الكبير للملكة الحاوي على 30000 فرس و300 حصان وأكثر من مئة فيل . 
   لم يصل سلوقس إلى المُلك بسهولة كما هي حال نظيره بطليموس في مصر بل كان تثبيتُ حكمه على ما سمي لاحقاً بالمملكة السورية السلوقية أمراً شاقاً فعندما تقاسم قادة الإسكندر (العظماء الأربعة) تركة سيدهم عام 321 ق م في مؤتمر الجنّات الثلاث (TRIPARADISUS) في جوسية قرب ربلة كانت حصته بابل ومايليها.. وعندها تخلى عن قيادة فرقة الفرسان الرفقاء ليتولى مهمته كوالٍ على بابل، لكن المنطقة التي اختصَّ بها كان فيها قادة ٌمثله أقوياء وطموحون وبعضهم تولى مهامه من أيام الإسكندر مثل بيوكستاس والي بلاد فارس، وبايثون والي بلاد ميديا. وإلى شمال منطقته يقيم برديكاس حامل خاتم الإسكندر وأنتيباتروس الوصي على ابن الإسكندر. وكذلك يجب أن لا ننسى أنتيغونوس القائد العام للجيش الملكي القابع في آسيا الصغرى هذا القائد الطموح الذي دوخ زملاءه القادة، وجعل سلوقس يهرب إلى مصر بصحبة 50 فارساً فقط هرباً من بطشه..
   إن هدوء سلوقس وحكمته ودهاءه السياسي ودقة توقيت تغيير تحالفاته أوصلته في النهاية إلى ما كان يصبو إليه فقد ترك الطامحين من حوله يتنازعون فيما بينهم وتحالفَ مع بعضهم في فترات محددة، وعاداهم في فترات أخرى ليصبح في النهاية الحاكم الوحيد لسوريا وكافة أرجاء الشرق.
   لقد رضي سلوقس في البداية بقيادة أنتيغونوس وتركه يقضي على يومنس (ممثل الأسرة المالكة في آسيا الصغرى) وبيوكستاس زعيم ولاة بلاد فارس ثم باثيون حاكم ميديا الطموح، ولما اقتربت السكين إلى رقبته فرَّ إلى زميله بطليموس في مصر وهناك نجح في تشكيل حلف رباعي مؤلف منه ومن بطليموس وكساندروس الوصي وليسماخوس أحد القادة في آسيا الصغرى ضد أنتيغونوس. دامت معارك الحلف الرباعي ضد أنتيغونوس من عام 316 وحتى 301 ق م ساهم فيها سلوقس بجهد كبير فتولى قيادة الأسطول المصري وحقق عدة انتصارات في بحر إيجة وقبرص وغيرها لكن أهم المعارك التي قلبت الموازين كانت معركة غزة إذ كان أنتيغونوس قد أرسل ابنه ديميتريوس على رأس فرقة كبيرة من جيشه ليطرد بقايا الموالين لبطليموس وسلوقس من سوريا ولما تيسر الأمر بسهولة قرر المسير إلى مصر ليقضي على ملكها فبرز له الجيش المصري بقيادة بطليموس وسلوقس الخبيرين في القتال وانتصرا عليه انتصاراً ساحقاً كان ذلك عام 312 ق م
   بعد معركة غزة عاد سلوقس إلى بابل قوياً مدعوماً ببعض حاميات المدن الناقمة على تصرفات أنتيغونوس وابنه وحاصرها ودخلها فاتحاً واعتبر سلوقس يوم دخوله بابل (أول تشرين الأول 312 ق م) يوماً تاريخياً وبداية التقويم السلوقي الذي درجت عليه شعوب المنطقة عدة قرون لاحقة.
   بدأ سلوقس بتأسيس جيش كبير استعداداً للمعركة الفاصلة مع أنتيغونوس مكسور الجانح في الشمال.. لم يكن لديه إلا ثلاثة آلاف رجل وأربعمئة فارس عندما سار إليه والي ميديا الموالي لأنتيغونس لكن سلوقس علمَ بقدومه فسارع إلى عبور دجلة ونازَله فقضى عليه بالرغم من أن المهاجم كان على رأس عشرة آلاف مقاتل وسبعة آلاف فارس.. ولما انكسروا انضم كثيرون منهم إلى سلوقس فازداد قوة، ودانت له بعد المعركة ميديا وسوسيانا.
   زوَّد أنتيغونوس ابنه ديميتريوس في دمشق بخمسة عشر ألف رجل وأربعة آلاف فارس وأمره بمهاجمة سلوقس في بابل فلما سمع سلوقس بهذا الحشد قرر بحكمته أن يخلي المدينة فدخلها ديمتريوس بدون مقاومة ولما همّ بملاحقة سلوقس لتدمير جيشه كان هذا قد أصبح بعيداً محصناً فعاد إلى أبيه خائباً ومن شدة غيظه دمر القرى التي مر بها في طريق عودته انتقاماً فازداد الناس كرهاً به وبوالده وولاءً لسلوقس.
   أدرك أنتيغونوس أنه لن ينتصر على هذا الداهية سلوقس إلا بعزله عن حلفائة فعقد صلحاً مع كاسندروس الوصي أقر له بموجبه بالسيطرة على مقدونيا حتى عام 305 ق م موعد بلوغ الإسكندر الصغير الثالثة عشرة وعقد صلحاً آخر مع ليسماخوس أطلق بموجبه يده في أوربا وجزء من آسيا الصغرى. وبعد فترة عقد صلحاً مع بطليموس أقر له فيه بحكم مصر وشمال أفريقيا وبالمقابل انتزع أنتيغنوس بموجب هذه المعاهدات اعترافاً من حلفائه الجدد بحكمه لآسيا الصغرى وسوريا وبابل ومقاطعات سلوقس والشرق وكأن سلوقس غير موجود.
   بعد تصديق آخر المعاهدات في 311 ق م باشر أنتيغونوس معاركه مع غريمه الذي أصبح قوياً سلوقس فدام النزاع حتى 308 ق م دون جدوى فاضطر إلى توقيع معاهدة صلح معه عام 307 ق.م.
   لا شك أن المقاطعات الشرقية من إيران وحتى تخوم الهند قد أمدت سلوقس بالكثير من الرجال وعدد الحرب من خيول وفيلة وقد ذُكر أنَّ سلوقس عندما عاد لتأمين حدوده في الشرق وبعد عدة معارك وقع معاهدة صلح عام 302 ق م مع الأمير المحلي هناك (تشاندرا جوبتا) حصل بموجبها على 500 فيل كانت كافية لترجيح كفته في كل معاركه القادمة.  
   عندما كان سلوقوس في الشرق وصلته نداءات الاستغاثة من حلفاء الأمس بطليموس وليسمارخوس وكاسندروس بسبب طغيان أنتيغونوس وحنثه بعهده إذ قام بمهاجمة أثينا كردة فعل على قيام كاسندروس بقتل الإسكندر الصغير ووالدته وهاجم أسطول بطليموس ودمره واحتل في قبرص عام 306 ق م. وإثر انتصاره على بطليموس وموت الإسكندر الصغير وفي احتفال كبير عام 305 ق م سمى نفسه ملكاً في سابقةٍ شجعت بطليموس وسلوقوس على نفس الفعل بعد فترة وجيزة.
    لم يكن نصر أنتيغنوس على كاسندروس حاسماً في اليونان فدعا الأخير لإحياء الحلف القديم بينه وبين ليسماخوس وبطليموس وسلوقس.
   باشر الحلفاء بالحرب ضد غريمهم في عام 302 ق م فكان كاساندروس في اليونان يقارع ديمتريوس بن أنتيغنوس وفي آسيا الصغرى ليسماخوس يقارع أنيغنوس الأب ولما اشتدت الأمور على ليسماخوس طلب النجدة من سلوقس الذي كان في البنجاب فسارع بجهدٍ واضح لإنقاذ الوضع قبل فوات الأوان فوصل إلى الأناضول في شتاء 302 ق م على رأس جيش قوامه عشرون ألف جندي واثنا عشر ألف من الفرسان و500 فيل و100 عربة مزودة بالمناجل فطلب أنتيغنوس من ابنه العودة من اليونان ليؤازره في المعركة الكبرى. وصلت الجيوش إلى إبسس (Ipsus) في ربيع 301 والتحمت الجيوش في المعركة الفاصلة الكبرى فقتل أنتيغنوس وهرب ابنه ديميتريوس باتجاه الغرب ليصل إلى أسطوله البحري.
   نتيجة المعركة أمست مملكة سلوقس من أقاصي إيران حتى البحر المتوسط بما فيها أرمينية وكبادوكيا السلوقية فبنى سلوقس أنطاكيا بالقرب من مصب العاصي وجعلها عاصمة ثانية له فسمي بعدها (ملك سوريا) وظهر لأول مرة في مصنفات التاريخ ما يعرف بملوك سوريا وكان سلوقس أولهم.
   حصل ليسمارخوس نتيجة المعركة على أغلب ساحل آسيا الصغرى، وكساندروس وأخوه على بعض كيليكيا وبعض شواطئ آسيا الصغرى. لكن ديمتريوس الذي نجا بحياته بقي مالكاً أكبرَ أسطولٍ بحري في زمنه مع بعض الجزر.
   بعد معركة إيبسس نشب خلاف بين سلوقس وبطليموس على سوريا الجنوبية والمجوفة (فلسطين والبقاع حتى حمص) إذ إن بطليموس عندما كان قادماً لنجدة الحلفاء سلوقس وليسماخوس سمع أن جيش ليسماخوس قد انكسر فسارع بالعودة إلى مصر لكنه بعد أن علم بانتصار سلوقس الكبير دخل إلى سوريا واحتل الجزء الغربي منها حتى نهر اليوثيروس (النهر الكبير الشمالي).. لم يعترف سلوقس له بهذه الحدود بحجة أنه هو مَن حارب وكسر أنتيغنوس وهو صاحب الحق -بما كان لأنتيغنوس وليس لبطليموس- أن يأخذ المدن السورية بهذه البساطة بدون حرب.. لكن عرفانه بالجميل لما كان قد قدمه له بطليموس في وقت الضيق جعله كما قال يؤجل الحرب لاستردادها.. إن احتلال فلسطين وسوريا المجوفة من قبل المصريين بعد معركة إيبسوس سيكون سبباً رئيساً في حروب كبرى هائلة دارت طيلة مئة وخمسين سنة حروب عرفت بالفهارس التاريخية (بالحروب السورية الستة).
   واستعداداً للمعارك القادمة بينهما بدأ سلوقس وأنطيوخوس بإنشاء تحالفات عن طريق المصاهرة كما درجت العادة في ذلك الزمان فزوج بطليموس ابنتيه إلى ابن كاساندروس والأخرى إلى ليسماخوس، بينما تزوج سلوقس نفسه من ابنة ديمتريوس بن أنتيغونوس قائد أكبر الأساطيل في عصره. ومباشرة وبعد أخذ الموافقة على الزواج قام ديميتريوس بمهاجة آسيا الصغرى حيث أخذ عدداً من مدن الشاطئ كقواعد لسفنه وطرد ليسماخوس من أيونيا ثم توجه إلى صهره الجديد ليزف له عروسه وبعد الاحتفال أبلغا العالم نبأ الزواج وتحالفهما الراسخ.
   دارت بعض المعارك بين ديمتريوس وبطليموس مصر على بعض المدن السورية الساحلية وفي سوريا المجوفة، ومن الممكن أن تكون حمص إحداها ويرجح المؤرخون أن سلوقس كان وراء هذا النزاع لأنه لا يريد إعلان العداء لملك مصر بالرغم من قناعنه بحقه فشجع والدَ زوجته لمنازله بطليموس إلا أنه في عام 299 ق م تدخل كحكم وعقد صلحاً بينهما.
   أحب سلوقس أن يسيطر على ثغور سوريا وإتمام السيطرة على المدن التي استعادها والد زوجته من بطليموس بدون حرب فطلب شراء كيليكيا بالمال لكن ديمتريوس رفض وعندها طلب أن يبيعه صيدا وصور رفض أيضاً فساءت العلاقة بينهما.
   وبعد فترة وجيزة مات كسندروس واختلف أولاده على التركة فاغتنم ديميتريوس الفرصة واستولى على عرش مقدونيا فقام بطليموس وسلوقس وليسمارخوس بمهاجمته ومعاقبته فأخذ سلوقس ما طلبه وهو كيليكيا حتى جبال طوروس أي ما يسمى بثغور سوريا، بالإضافة إلى مدينتي صور وصيدا وأخذ بطليموس بعض جزر بحر إيجة وليسمارخوس مقدونيا واقتسمها مع حليفه ملك ألبانيا (بوروس)
   وبعد عدة معارك وأحداث لا مجال لذكرها وقع ديميتريوس بيد سلوقس فاحتجزه في قصر بالقرب من الاذقية حيث مات بعد إدمانه على شرب الكحول .
نهاية سلوقس:
   قام ليسماخوس في مقدونيا واليونان بتزويج ابنه على ليسندرة ابنة بطليموس ثم تزوج هو بأختها أرسينو فاشتعلت الغيرة بين الأختين تحسباً لمن يكون العرش بعد ليسماخوس.. وعندما أتى جيرانوس أخو ملك مصر لزيارة ليسماخوس في قصره وكانت ليسندرة شقيقة له فتوهمت أرسينو أن هذا سيقف إلى جانب ليسندرة ويقتلها مع أولادها ليملك صهره فبدأت توغر صدر ليسماخوس وتشي بان ابنه يتآمر لقتله وتولّي الحكم، فما كان من ليسماخوس إلاأن أودعه السجن ثم قتله وعلى الأثر هرب جيرانوس وليسندرا وأولادها إلى سلوقس يطلبون العون وإعلان الحرب على ليسماخوس فقبل سلوقس مسروراً طمعاً بتوسيع ملكه وفعلاً سار شمالاً في عمق آسيا الصغرى بعد أن أوصى لأبنه أنطيوخس بتولي زمام الحكم في البلاد ولما وصل إلى (سرد) قرب إزمير حاصرها ثم فتحها واستولى على خزائنها. فلما سمع ليسماخوس الخبر عبَرَ الدردنيل قاصداً إيقاف سلوقس فالتحم الجيشان وانتصر سلوقس على غريمه وقتل ليسماخوس وبهذا الظفر لم يبقَ غيره في المنطقة من قادة الإسكندر فلقب بالمنتصر (نيكاتور).. لكنه لم يعش بعد هذا الانتصار طويلاً .. فلما عبرَ الدردنيل ودخل أوربا ومضى باتجاه مقدونيا قام جيرانوس المصري الذي استجار به باغتياله بطلب من أخيه وكان ذلك عام 280 ق م.
   وهكذا كانت نهاية القائد الكبير أول ملوك سوريا ومؤسس السلالة السلوقية التي حكمت سوريا 250 سنة حتى دخول الرومان.
   نقل جثمان سلوقس من مقدونيا إلى المدينة التي بناها على مصب العاصي سلوقيا بيريا في سوريا حيث دفن في مدفن أصبح فيما بعد مدفن السلالة السلوقية.
 
 
2 – أنطيوخوس الأول سوتر : 325 – 261 ق م ( سوتر = المنقذ = المخلص )
 
 
أنطيوخوس الأول هو ابن سلوقس الأول نيكاتور من زوجته الفارسية أباميا (أفاميا) متزوج من استراتونيكي زوجة أبيه السابقة، كان قائداً لفرسان أبيه في معركة إيبسس الحاسمة وكان والده قد أوصى له بولاية العهد وكلّفه بإدارة شؤون الإمبراطورية عندما سار شمالاً باتجاه آسيا الصغرى ثم مقدونيا حيث قتل.
كان أنطيوخوس في مدينة سلوقيا التي على دجلة عاصمة سورية الثانية عندما تلقى خبر مقتل أبيه ولم يكن معه إلا أقل من نصف الجيش إذ إن والده كان قد سار بالجزء الأكبر من جيشه ليحارب ليسماخوس كما مر معنا في سيرته... وبمقتل سلوقس الأول أصبح أنطيوخس ثاني ملوك سوريا لكن الأقدار والظروف أظهرتْ أمامه ودون إنذار مهمات مستجدة ومستعجلة وأهدافاً واضحة لكنها صعبة ولا بد من تنفيذها وهي:
-إعادة لملمة الجيش الذي ضاع وتشتت في الغرب بعد مقتل والده في أوروبا.
-الانتقام لمقتل والده بالقضاء على جيرانوس (كيرانوس) الذي غدر بأبيه بدسيسة من أخيه ملك مصر
-تحرير فلسطين وسورية المجوفة من الاحتلال المصري. وقد تكلمنا كيف احتلها المصريون عندما رجحت كفة سلوقس في معركته مع أنتيغونوس في تركيا بعد أن هربوا وأخلوها عندما كانت كفة أنتيغونوس راجحة.
-القضاء على الحركات الاستقلالية في الشرق والمتمردين في آسيا الصغرى
-الوقوف بوجه الملوك الطامعين في بعض ملكه مثل ملك برغامس وبطليموس ملك مصر.
أجّل أنطيوخوس الانتقام لوالده قليلاً وجعل مهمة القضاء على المتمردين في مملكته على رأس سلّم أولوياته فأنهى مشاكله في الشرق بسهولة، وقد ساعده على ذلك أنه نصف فارسي وخبرته الوافرة بمشاكل الشرق الذي حكمه من 293 حتى 280 ق م على حياة أبيه.
انتقل أنطيوخوس إلى القضاء على المتمردين في المدن السورية المدعومين من جيرانوس أخي ملك مصر قاتل أبيه ولما تم له ذلك، وعندما قرر عبور طوروس لإخماد الفتن في آسيا الصغرى وتثبيت حكمه هناك جرّد بطليموس ملك مصر حملة عسكرية على فلسطين وسورية الداخلية ووصل بجيشه إلى طرطوس وأرواد في طريق الساحل واحتل دمشق (داماسكوس) وعنجر (خالكيس) وبعلبك (هليوبوليس) وربما حمص في طريق الداخل متحدياً أنطيوخوس ومثبتاً ملكيته لما كان مشكوكاً فيه..
عرفت هذه الحملة المصرية بحرب دمشق بسبب سقوط دمشق نتيجتها بيد جيش المصريين البري، وسماها بعض المؤرخين بحرب (كاريه) أيضاً لأن المصريين استولوا فيها بواسطة أسطولهم على مدينة مالطية أيضاً في إقليم كاريه على ساحل تركيا الجنوبي.
بالرغم من آثار هذه الحملة المؤلمة بقيت عين أنطيوخوس على الأخطار المحدقة به في الشمال، فقد علم بوصول شعب الغال المتوحش إلى تخوم مملكته، فوقع معاهدة صلح بينه وبين الملك المصري عام 279 ق م وترك للأيام سبل حل الخلاف بينهما وتوجه شمالاً إلى تركيا.
عبرَ أنطيوخوس جبال طوروس باتجاه المتمردين في آسيا الصغرى وبعبوره هذا على رأس الجيش السوري أعاد الثقة والطمأنينة إلى الكثير من حاميات المدن هناك فأكدوا ولاءهم له ما عدا مجموعة مدن في الشمال سميت (عصبة الشمال) بالإضافة إلى مدينة هراكلية الذين استمروا بتمردهم وإعلانهم عدم الولاء... ثم انضم إليهم بعد فترة ملك بيثونية الجديد هذا الملك الغر الحديث العهد بالعمل السياسي الذي ارتكب خطأً فادحاً حين سهل على (شعب الغال) عبور الدردنيل والوصول إلى آسيا الصغرى وهم شعب متوحش قدموا من فرنسا وروعوا بلاد اليونان ومقدونيا بوحشيتهم[1] لقد قتلوا في إحدى غزواتهم جيرانوس أخا ملك مصر قاتلَ والد أنطيوخوس، وعلقوا رأسه على حربة من حرابهم فأراحوا بفعلهم هذا أنطيوخوس من مهمة الانتقام لوالده. لكن نظراً لوحشيتهم وترويعهم الأهالي بالقتل والسلب والنهب والحرق لقراهم كان لا بد لأنطيوخوس من القضاء عليهم.
لقد عرف أنطيوخوس وحشية الغال عندما سمع من فرسانه أوصافهم إذ كان قد أرسل سابقاً 500 فارس إلى مقدونيا عندما طلب أهلها منه النجدة.. وقد أبلغه فرسانه كيف صمدوا بصعوبة أمام أولئك الوحوش البشرية.. لذلك قرر محاربتهم بنفسه في حرب منظمة شاركت فيها الفيلة في عامي 276 – 275 ق م فانتصر عليهم عدة انتصارات استحق بعدها لقب (سوتر) ومعناها المنقذ.. وخُلدت معاركه ورسوم فيلته الستة عشر في نصب تذكاري في المنطقة.
لم يقض ِأنطيوخوس على الغال قضاءً مبرماً لكنه أوقفهم في حدود ثابتة ووقع معهم معاهدة تقضي بعدم التعرض للناس مقابل مبلغ من المال. ثم عاد أدراجه إلى سوريا ليصنع مع جيشه أحداثاً عرفت (بالحرب السورية الأولى).
الحرب السورية الأولى:
زوج أنطيوخوس المنقذ ابنته أفاميا إلى ماغاس والي ليبيا نائب ملك مصر وأخيه غيرالشقيق الذي كان طامعاً بعرش مصر فقد هاجم الإسكندرية واحتلها لكن فتنة في بلاده اضطرته لعدم إتمام ما بدأ فعاد من حيث أتى وعندما هب بطليموس لمطاردته استنجد ماغاس بحميه في سوريا. وهنا يختلف المؤرخون في من بدأ الحرب هل هو بطليموس الذي هاجم سوريا بضربة استباقية بعد أن علم بالمراسلات بين أنطيوخوس وماغاس أم أنطيوخوس الذي لبى مسروراً طلب صهره؟
وبالرغم من وجود نصين مختلفين أحدهما بالهيروغليفية يقول بانتصار المصريين والآخر بالمسمارية يقول بنصر السوريين (الجيش البابلي على ما ورد في النص) فإنه من الثابت أن دمشق عادت إلى الحظيرة السلوقية وكذلك عنجر والمدن المحتلة في غرب كيليكيا. لكن صيدا وصور وغزة والقدس بقيت في يد المصريين.
يصمت المؤرخون عن سبب إنهاء الحرب عام 272 ق م وتوقيع معاهدة هدنة بين مصر وسوريا دون أن تعاد فلسطين إلى الدولة السلوقية السورية وهي لبُّ القضية.. لكنهم يخبرون عن نشوب بعض المعارك بين المصريين والأنباط وأيضاً بين المصريين والبدو الذين كانوا في حالة توحش في شرق الأردن. وبالمقابل يتكلم المؤرخون بإسهاب عن صداقة ملك مصر بطليموس فيلادلفوس مع اليهود إذ استقدم إلى الإسكندرية 72 كاهناً يهودياً ليترجموا التوراة إلى اللغة اليونانية ليقرأها يهود الإسكندرية الذين تأغرقوا ونسوا العبرية.. ومازالت هذه الترجمة إلى اليوم معروفة بالترجمة السبعينية نسبة إلى عدد المترجمين الذين قورنت ترجماتهم لاختيار الأصح منها.
إن صداقة بطالسة مصر مع اليهود التي بدأت في عهد بطليموس فيلاديلفوس هذا سيكون لها ذيول وآثار هامة على مسيرة الأحداث في المنطقة والصراع السوري اليهودي الذي سيتجلى واضحاً في عهد أنطيوخوس الرابع
عام 262 ق م توجه أنطيوخس إلى برغام بعد وفاة عاهلها ليستعيد بعض ملكه فيها فتصدى له أومان الوريث وانتصر عليه بدعم مصري.. وبدلاً من زيادة ملكه هناك خسر بعض المدن التي كانت خاضعة له.
توفي أنطيوخوس الأول العام 261 ق م ولم يجزم المؤرخون في طريقة ومكان وفاته، بعضهم قال: إنه قضى في حربه في الشمال مع أومان ملك برغام في معركة قرب أفسس والبعض قال بعد عودته إلى أنطاكيا. 
ومما لا بد من ذكره أن أحد المؤرخين (تروك بومباي) روى أن أنطيوخوس كان قد قتل ابنه في أنطاكيا عندما حاول إثارة فتنة ضده لكن هذه الرواية نفاها الجميع والمرجح أن سببها هو تولي ابنه الثاني الحكم من بعده واسمه أنطيوخوس الثاني تيوث ومعناها (الرب).
 
 
 
3 – أنطيوخوس الثاني ثيوس ( الإله )
ثالث ملوك سوريا :261-246 ق م 
 
قطعة نقود تظهر صورة أنطيوخوس الثاني كتب عليها
 BASILEWS ANTIOXOY وتلفظ باسيليوس أنطيوخوس
ومعناها الملك أنطيوخوس
هو ابن أنطيوخوس الأول من زوجته ستراتونيكي التي كانت زوجة أبيه.. خلف أباه سنة 261 ق م وله من العمر 24 عاماً.. أعطي لقب ثيوس ( THEOS ) ومعناها (الإله أو المؤله) بعد إنقاذه أهالي ميليتوس MILETOS  تلك المستعمرة المصرية الواقعة في غرب تركيا من حاكمها الطاغية تيمارخوس.
قبل أن نحكم على سلوك أنطيوخوس الثاني وحسن أدائه الذي اختلف فيه المؤرخون يجب أن نلقي قليلاً من الضوء على الوضع العام في المنطقة والعالم والمهمات التي فرضت نفسها عليه والأسباب التي أدت إلى الحرب السورية الثانية التي كان هذا الملك بطلها .
* قبل تولي أنطيوخوس بثلاث سنوات أي في 264 ق م اندلعت الحرب البونية الأولى في غرب المتوسط بين الرومان والفينيقيين في قرطاجة ودامت حتى 241 ق م.. هذه الحرب التي كان بطلها من الجانب السوري الفينيقي هملقار والد حنيبعل.. إن أهمية هذه الحرب تكمن في أنها أولى محاولات روما للخروج بنفوذها من شبه الجزيرة الإيطالية والسيطرة على غرب البحر السوري (سمي هكذا قبل أن يصبح بحر الروم وفيما بعد البحر المتوسط)
* استجدت منافسة خطيرة بين التجار السوريين والتجار المصريين على احتكار التجارة بين الشرق والغرب فقد كان تجار صور يستقدمون البضائع من الشرق إلى ميناء إيلات جنوب الأردن وينقلونها براً إلى صور ومن هناك إلى أنحاء العالم بواسطة أسطولهم. ولضرب التجارة السورية قام بطليموس ملك مصر ببناء ميناء برنيقة Berenice في رأس باناس على الشاطئ الشرقي للبحر الأحمر لتصل إليه البضائع القادمة من الشرق فينقلها تجار مصر براً إلى الإسكندرية ومنها إلى أرجاء العالم بواسطة أسطول حديث وضعه في خدمة تجار الاسكندرية
* قام تحالف بين بطليموس مصر وتجار جزيرة رودس فأصبح المصريون بهذا التحالف أصحاب أكبر أسطول حربي وتجاري في شرق المتوسط
* استمرار احتلال مصر لفلسطين وأجزاء هامة من جوف سوريا
* نشأ صراع داخلي على التاج البطلمي بين صهرأنطيوخوس (زوج أخته) ملك برقة في ليبيا (قورينيا) وأخيه بطليموس في مصر لعبت أفاميا أخت أنطيوخوس دوراً رئيساً فيه
* ظهور نزعات استقلالية في شرق الأمبراطورية السورية من (الفرثيين والبكتيريين)
هذه هي أجواء العالم عند تولي أنطيوخوس الثاني مقاليد الحكم ومن هذه الأجواء بكل جوانبها تشكلت الأسباب الموجبة لما عرف فيما بعد بالحرب السورية الثانية
الحرب السورية الثانية (من 255 حتى 249 ق م ):
إن حصول أنطيوخوس الثاني على لقب ثيوس (الإله أو المؤله) وهو في مقتبل العمر بعد انتصاره وفوزه بمحبة أهل ميليتوس قد أكسبه بعض الغرور وسمح له ببعض الممارسات التي جعلت بعض المؤرخين يصفونه بالماجن والمنغمس بالملذات المختلفة والشراب لكن مما لا شك فيه أن هدفه الرئيسي هو استرجاع فلسطين لم يغب عن عينيه إطلاقاً ولا يمكن أن يوصف عدم توجهه إليه مباشرة بالإهمال والتراخي لأنه أدرك أنه لن يفوز بفلسطين ما لم يقض ِ أو يضعف القوة البحرية لمصر لذلك كانت جزر بحر إيجة والمستعمرات التجارية المصرية في آسيا الصغرى هي المسرح الرئيسي للحرب السورية الثانية التي دامت ست سنوات
مقدمة الحرب:
في البداية سعى أنطيوخوس لتحييد تجار رودوس وفصل تحالفهم مع ملك مصر بخلق مصالح هامة لهم في أمبراطوريته الواسعة.. ثم قام بتزويج أخته الكبرى من ديميتريوس ابن ملك مقدونيا فنشأ نتيجة هذا الزواج حلف قوامه المصالح المشتركة في مواجهه بطليموس ملك مصر
أرسل بطليموس الثاني ملك مصر أحد أبنائه واسمه بطليموس أيضاً ليحتل مدينة إفسس ذلك المنفذ التجاري الهام في غرب آسيا الصغرى الذي كان تحت السيطرة السورية.. فرد أنطيوخوس على هذا الفعل بدعم تمرد تيمارخوس على المصريين في مدينة ميليتوس لكن تيمارخوس هذا ما لبث أن تحالف مع حاكم إفسس الجديد ليدعم استقلاله عن كلتا الدولتين.. فما كان من أنطيوخوس إلا أن عبَرَ جبال طوروس على رأس جيشه وحرر أهل ميليتوس من طغيان تيمارخوس وألحقها بملكه ثم توجه إلى إفسس التي ثار أهلها على المصريين وأعادها إلى ملكه بترحيب كبير من أهلها .كان ذلك بين عامي ( 259 و258 ق م )
بداية الحرب:
في عام 255 ق م استغل أنطيوخوس وحليفه المقدوني ارتباك ملك مصر إثر فقدانه بعض سفنه في معركة لهم مع أسطول رودوس فنفـّذا حملة بحرية كبرى عليه جعلته يفقد أغلب أسطوله قرب جزيرة كوس.. عندها قام كل منهما بالتقدم براً لتوسع منطقة نفوذه فكانت النتيجة خلال ست سنوات من الحرب استعادة أنطيوخوس لمدن الساحل السوري كافة حتى صيدا أي زلق حدود النفوذ المصري من أرواد حتى صيدا والسيطرة على مدن جنوب وغرب آسيا الصغرى (تركيا) وجزيرة ساموس حتى إنه عبر إلى أوروبا عندما استجار به أهل إقليم تراكيا من طغيان العصبة الثلاثية والغال فأنجدهم وأصبح له موطئ قدم في أوروبا .وفي عام 249 ق م انتزع أنطيوخوس الاعتراف الكامل بأملاكه الجديدة بمعاهدة صلح وقعها مع مصر.
لا شك أن هزيمة ملك مصر كانت قد أسعدت كثيراً أفاميا أخت انطيوخوس زوجة حاكم ليبيا لأنها كانت تكف عن تحريض أخيها على هذه الحرب منذ أن التجأت إلى قصره في أنطاكيا بعد فشلها بمنع زواج ابنتها برنيكي من ابن ملك مصر البكر وفشلها بالاستقلال بليبيا (قورينيا) وفصلها عن مصر بعد وفاة زوجها.
من تحليل الأحداث وتوسيع زاوية الرؤية نستطيع أن ندرك أن توقيع معاهدة إنهاء الحرب مع مصر عام 249 بدون تحقيق كل الأهداف لم يكن سببه نزعة أنطيوخوس إلى المجون والانغماس في الملذات بل الحركات الانفصالية التي قامت في شرق الإمبراطورية السورية هو ما دعاه للاكتفاء بما حصل عليه في الغرب والالتفات شرقاً فقد قام الفرثيون بقيادة (أرشاك) بحركة انفصالية وانفصل والي بكتيريا (تيودوت) في تركستان حالياً وحذا حذوهم زعماء القبائل الشرقية فخسر أنطيوخوس بذلك أغلب أقاليم ما وراء دجلة.
موت أنطيوخوس واختيار الوريث
ولما كان من بنود معاهدة عام 249 ق م أن يتزوج أنطيوخوس الثاني بـ (برنيكي) ابنة ملك مصر تلك الحسناء الشابة الجميلة بعد أن يطلق (لاوذيكيا) التي كانت قد أنجبت له ابنتين وولدين هما سلوقس وأنطيوخوس وأن يسمي المولود البكر من زوجته المصرية ولياً للعهد فقد أتى بطليموس بابنته إلى سلوقيا بيريا عند مصب العاصي حيث زفت إلى أنطيوخوس الثاني باحتفال كبير وتحسنت العلاقات المصرية السورية حتى إنه ذكر أن ماء النيل الذي اشتهر بنفعه في مجال الخصوبة كان ينقل إلى أنطاكيا لتشربه وتستحم به الملكة الجديدة التي استحوذت على قلب أنطيوخوس.
أما زوجته الأولى لاوذوكيا فقد ذهبت مع أولادها إلى إفسس منطقة نفوذها ونفوذ أخيها إسكندر في آسيا الصغرى لتنتظر تغير سير الأحداث.
وفعلاً انتهى شهر العسل وبدأت الزوجة المصرية الجديدة تتصرف بحماقة متسلحة بقوة أبيها وإنجابها طفلاً مؤهلاً لوراثة العرش مما جعل أنطيوخوس ينفر منها ويتذكر زوجته الأولى
ويختلف المؤرخون في رواية أحداث تلك الفترة بحسب جنسيتهم، فمنهم من قال إن لاوديكي انتهزت فرصة زيارة أنطيوخوس لها في أفسوس لاستعادة حظوتها والظفر منه بالاعتراف بولاية العرش لابنها الأكبر. ومما سهل عليه القرار تبلغه نبأ وفاة ملك مصر فأصبح في حلٍّ من وعده كما أنه أدرك مخاطر الوصاية الطويلة الأمد إذا خلفه ابنه الطفل (أنطيوخس) من برنيكي، في حين أنَّ لديه ولداً عمره تسعة عشر عاماً جاهزاً للحكم كان في استقباله وكحَّل عينيه برؤيته في إفسس .
ورواية أخرى تفيد بأن لاوذوكيا زوجته الأولى استدرجته إلى قصرها في إفسس ودست له السم بعد أن جعلته يغير وصيته أمام النبلاء
ورواية أخرى تفيد بأن زوجته القديمة أتت برجل يشبهه تماماً شكلاً وصوتاً وجعلته ينطق وهو على فراش الموت بتعديل وصيته لصالح ابنها البكر سلوقس
ورواية أخرى تفيد بأن زوجته المصرية هي التي دست له السم انتقاماً منها لعودته إلى زوجته القديمة في إفسس.
لكن كل الروايات تتفق بأن أنطيوخوس الثاني قتل مسموماً عام 246 ق م في إفسس بمكيدة من إحدى زوجاته وإنه نودي بابن لاوديكيا ملكاً باسم (سلوقس الثاني).
ولما كان مركز برنيكي المصرية قوياً في أنطاكية حيث كان يؤيدها بعض القادة وحكام أفاميا واللاذقيا وسلوقيا بيريا الذين اعتبروا طفلها الوريث الشرعي للعرش فقد تأسس من هذا الخلاف داخل البيت السوري لحرب هائلة في عهد الملك القادم سميت بالحرب السورية الثالثة أو (حرب لاوديكي)
ومما يجب ذكره عن تلك الفترة أن المؤرخ البابلي باروز عاش في عهد أنطيوخوس الثاني وأهداه كتابه في علم الفلك وفيه حسابات فلكية لأربعمئة وثمانين سنة
 
 
4 - سلوقس الثاني كالينيكوس ومعناها الظافر

رابع ملوك سوريا 246 – 226 ق م

 

قطعة نقود تظهر على الوجه صورة سلوقس الثاني وعلى الخلف كتب عليه

BASILEWS  SELEYKOY تلفظ باسيليوس سلوقوس أي الملك سلوقس
 
   هو ابن أنطيوخوس الثاني من زوجته لاوذوكيا (لاذقية) نودي به ملكاً على سوريا وعموم الشرق بعد مقتل أبيه في إفسس العام 246 ق م. وعلى الفور انقسمت الإمبراطورية إلى فريقين أحدهما مؤيد له ولوالدته معتقدين بأن زوجته الثانية برنيكي بنت ملك مصر هي التي دست لوالده السم من شدة غيظها لأنه تركها وعاد إلى زوجته الأولى، وفريق مؤيد لبرنيكي معتبرين طفلها الوريث الشرعي وأن لاوذوكيا زوجته الأولى هي من دست السم لزوجها حتى لا يعود لزوجته المصرية لأنها تعرف طبعه المتقلب.. ومن هؤلاء من اعتقد بأن من نطق بالوصية الجديدة ليس أنطيوخوس بل شبيه له استحضرته لاوذوكيا لهذه المهمة.. لكنَّ الفريقين لم يكونا متكافئين بالقوة ففريق برنيكي وطفلها كان مدعوماً من ملك مصر وبعض مدن الساحل وأغلب نبلاء العاصمة أنطاكيا، أما فريق لاوذوكيا وسلوقس فكان مدعوماً من بعض حاميات مدن آسيا الصغرى فقط لكن من زاوية أخرى كان سلوقس في التاسعة عشرة من العمر يقابله طفل ليس له وصيٌ بعد ..
الحرب السورية الثالثة 
   أدرك سلوقس مباشرة أن الصولجان لن يستقر بيده ما لم يقض ِ على منافسه الرضيع وأمه بسرعة. فجعل أولى مهماته تدبير مكيدة مع أمه لقتل زوجة أبيه وابنها مدّعياً حقه بالانتقام منها لقتلها أباه بالسم.. ولما علمت برنيكي بمرادهما ذهبت مع حامية مصرية وتحصنت في برج أو قلعة في مصيف دلفي قرب أنطاكيا وطلبت من هناك النجدة من أخيها في مصر لكن حظها العاثر جعل النجدة تتأخر قليلاً لأن أخاها الذي سُمي بطليموس الثالث أورجيتيس كان منهمكاً بترتيب شؤون عرشه الذي تسلمه منذ عدة أشهر فقط.
   نجح أعوان لاوذوكيا بخطف ابن برنيكي الرضيع وإخفائه مما أثار ضدها عواطفَ الكثير من النبلاء وأفقدها الكثير من أنصارها وأنصار ابنها سلوقس، وشجعهم على تلبية نداء ملك مصر للمسارعة والوقوف إلى جانب أخته والدفاع عنها حتى يصل بجيشه الجرار الذي قاده بنفسه مزوداً بكامل العتاد بما فيه السلاح الثقيل (الفيلة).
   بعض المصادر قالت إنَّ برنيكي وطفلها قـُتلا مع جميع أفراد الحامية المصرية في دلفي قبل وصول ملك مصر ومصادر أخرى تفيد بأن برنيكي كانت في استقبال الجيش المصري عند مصب العاصي، لكن من المرجح أن تكون الرواية الأولى هي الصحيحة وأن بطليموس كتمَ خبرَ وفاتها ووفاة ابنها لتبرير استمرار حملته وحتى لا يُضعف عزيمة أنصاره الآسيويين الذين سيدركون إذا علموا بوفاتها وابنها بأنهم فقدوا البديل الوحيد لسلوقس. 
   لقد بدت هذه الحملة كأنها اجتياحٌ أو غزوٌ مصريٌ لسوريا أكثر منها حرباً لأن ملك مصر خلال أقل من سنة اجتاح كالعاصفة الهوجاء كل مدن سوريا وكيليكيا ومناطق النفوذ السوري في بحر إيجة وعبرَ الفرات واجتاح مدن ما بين النهرين وعبرَ دجلة ووصل إلى جبال زغروس واعتلى الهضبة الإيرانية.. لم يُعـِقـْه شيءٌ.. ولم يقف بوجهه أحد.. وبالرغم من كل هذا العنف عندما توجه شمالاً للسيطرة على إفسس معقل سلوقس ووالدته أفلتا من يده واستطاعا نقل مقرهما إلى سارديس ولم يستسلما وبالتالي لم يكن نصراً حاسماً لصالحه لأنه لم يستطع القضاء على سلوقس أو إلغاء دوره... ولسبب ما لم يستطع المؤرخون تحديده. ودون سابق إنذار عاد بطليموس مع جيشه الجرار إلى مصر محملاً بمئتين وعشرين مليون درهم (دراخما) وألفين وخمسمئة تمثال مصري كان الملك الفارسي (قنبيز) قد غنمها من مصر قبل فتوحات الإسكندر..
   قبل انسحاب بطليموس قام بتعيين حكام جدد للمدن والمقاطعات من الموالين له أصبحوا بعد فترة قصيرة أهدافاً سهلة لسلوقس لأنه عندما كان يهم بالانسحاب من سوريا كان سلوقس يُعِدَّ العدة لعبور جبال طوروس باتجاه سوريا لاستعادة أملاكه وإرثه... وفي سبيل تحسين موقعه وحماية ظهره وكسب الحلفاء قام بمكافأة بعض المدن التي وقفت إلى جانبه في آسيا الصغرى ومنَحَها حق اللجوء وأعفاها من الضرائب كمدينة إزمير (سمورنا) وأرسل رسائل في هذا الشأن إلى الملوك والحكام في أرجاء العالم يبلغهم قراره مذكّراً إياهم بنفسه وبسلطانه وقام أيضاً بتزويج أختيه واحدة لملك البنطس والأخرى لملك كبادوكيا. 
   بدأت مسيرة سلوقس الشاقة في التحرير واستعادة الإرث بنجاحات متتالية كان حصيلتها في نهاية عام 244 ق م تحرير كافة مدن سوريا الشمالية حتى مدينة أورتوسيا (عرطوس على مصب نهر البارد) لكن سلوقيا بيريا على مصب العاصي وبعض مدن كيليكيا التي بقيت خاضعة للنفوذ المصري، كما أخضعَ المقاطعات الشرقية في سلسلة انتصارات استحق بعدها لقب الظافر (كالينيكوس) لكن هذه الانتصارت وهذا اللقب جعله يفقد شيئاً من حكمته وبصيرته فبدلاً من الاستقرار قليلاً في عاصمته أنطاكيا والحصول على فترة راحة لتثبيت دعائم حكمه واستجماع قواه وتقوية جيشه وأسطوله قام مباشرة ودون استراحة بحملات على المصريين لزلق حدوده جنوباً وطرد سفنهم من الموانئ التي استحوذوا عليها في كيليكيا وبحر إيجة، وهنا انقلب حظه وبدأت سلسلة هزائمه التي لم تعد تنتهي.. فبعد نجاته بصعوبة بعد تحطم أسطوله بالكامل في عاصفة هوجاء هبت على شواطئء كيليكا حيث كان يحاول دكَّ معاقل الأسطول المصري، قام بشنّ حملة برية على الجيش المصري في فلسطين حيث هزم هزيمة نكراء وانكفأ مع القلة ممن بقوا أحياء إلى أنطاكيا وأصبح على درجة من الضعف إلى درجة أنه لم يستطعْ فك الحصار عن دمشق الذي فرضه عليها بطليموس قبل وصول نجدة أخيه الصغير أنطيوخوس من تركيا.
   طلب سلوقس المساعدة من أخيه لإعادة بناء الجيش والأسطول لاستكمال تحرير إرثه وملكه على أن يوليه آسيا الصغرى بعد النصر... قبـِل أخوه العرض وباشر بتجنيد المشاة والفرسان.. لكن ملك مصر لما عرف بحلف الأخوين بادر بدهائه إلى توقيع معاهدة هدنة مدتها عشر سنوات مع سلوقس وكأنه كان عالماً أنَّ خروجه من المعادلة سيجعل الأخوين في صدام ويجعله سيد الموقف. وبهذه المعاهدة انتهت بذلك فصول الحرب السورية الثالثة..
   وفعلاً نبتت بسرعة بذورُ الخلاف بين الأخوين لأن أنطيوخس في الحقيقة كان طامعاً في تولي كل المملكة وليس آسيا الصغرى كما عرض عليه لأنه كان حاكمها الفعلي وليس بحاجة لمستجد ليتمكن منها لذلك سمي أنطيوخوس هيراكس أي الباز أي الصقر (القناص)
 

 

قطعة نقود لأنطيوخوس هيراكس ضربت في عهد أخيه سلوقس الثاني كاليكينوس

   ولما اتضحت الصورة لسلوقس وعلم بنية أخيه اندلعت بينهما حربٌ سماها بعض المؤرخين (حرب الأخوين).
   عام 237 ق م عبرَ سلوقس طوروس قاصداً وضع حد لطموحات أخيه.. وبعد انتصارين في أول معركتين لسلوقس استنجد أنطيوخوس بشعب الغال لنصرته على أخيه فلبّوه مسرورين لأن ذلك سيجعلهم في حل من الاتفاقيات القديمة التي كانت تشل حركتهم في آسيا الصغرى.. وفي معركة هائلة قرب أنقرة قتل فيها من الطرفين عشرون ألف قتيل انتصر أنطيوخوس على سلوقس الذي فر من الميدان ونجا بنفسه... ومن الغرائب التي تستحق الذكر أن أنطيوخوس عندما بلغه أن أخاه سلوقس قتل في المعركة حزن كثيراً وبكى وأغلق الأبواب عليه، وأعلن الحداد في البلاد لكنه لما علم بنجاته وظهوره في كيليكيا من جديد قدم القرابين للآلهة وألغى طقوس الحداد وعاد من جديد لإعداد جيشٍ قوي لعبور طوروس وضربه من جديد قبل أن يستعيد قوته.
   أطراف عدة كانت وراء إزكاء روح الطمع عند أنطيوخوس الأخ الصغير ذي الأربعة عشر ربيعاً أولهم أمه لاوذوكيا يؤيدها خاله إسكندر حاكم لوديا الذي كان طامحاً بمنصب نائب الملك عند فوز أنطيوخوس، وآخرهم ملك مصر الذي كان مرتاحاً طالما الحرب مستعرة بين الأخوين.
   بعد خسارة سلوقس في آسيا الصغرى وانسحابه منها لصالح أخيه الصغير أصبح أنطيوخوس الصغير بقلة خبرته ألعوبة بيد شعب الغال فنشأت نتيجة ذلك قوة جديدة هناك يرأسها أتالوس ملك برجامس الذي لاذت به أغلب مدن آسيا الصغرى وطلبوا حمايته من تعديات تحالف الغال وأنطيوخوس المدعوم سراً من ملك مصر
   استغل أنطيوخوس وجودَ أخيه سلوقس في الشرق في مهمة ردع الفرثيين وقام بمحاولة الاستيلاء على العاصمة أنطاكيا فتصدى له رجال الحكم فيها والنبلاء الموالون لسلوقس وهزموه ففرَّ إلى كبادوكيا طالباً حماية صهره هناك ولما شعر أنَّ مفاوضاتٍ تجري لتسليمه لأخيه فرَّ مرة أخرى إلى مناطق النفوذ المصري، ومن هناك اقتيد مخفوراً إلى مصر حيث أقام جبرياً في قصرٍ استطاع الفرار منه أيضاً بمساعدة إحدى النساء عام 227 ق م واتجه شمالاً حيث قتله لصوص أو عصابة من شعب الغال.
   وبموت أنطيوخوس هذا الأخ الطماع قناص الفرص فقدَ البيت السلوقي آسيا الصغرى التي أصبحت تحت نفوذ أتالوس ملك برغامس.. ولما استراح سلوقس من أطماع أخيه تحول إلى الشرق لإخضاع الولايات المنفصلة عن سلطته فتصدى له ملك الفرثيين أرشاك (ARSACES) وهزمه وعندما أعادَ الكرة هزم مرة أخرى هزيمة شرّ من الأولى وقيل إنه وقع في الأسر أيضاً.
   إن حياة سلوقس الثاني الحافلة بالهزائم التي غالباً ما كان يسعى إليها ويحدد موعدها بنفسه طيلة فترة حكمه الذي دام 20 سنة جعلت من لقبه (المنتصر أو الظافر) لقباً غير موفق واسماً لغير مسمى لكنه في الحقيقة كان ملكاً مميزاً بل ملفتاً للنظر في قدرته على الوقوف بعد كل سقطة أوهزيمة وبرغم كل حروبه ومعاركه التي لم يكن يغيب عن ميدانها لم يقتل سلوقس في أي منها بل مات بسبب سقوطه من على جواده عام 226 ق م أو في 225.
 
 
 
5 - سلوقس الثالث كيرونوس (كيرونوس معناها الصاعقة)
خامس ملوك سوريا (226 – 223 ق م)
   هو ابن سلوقس الثاني كان واهن العزيمة، فائل الرأي لكنه سريع الحركة عصبي المزاج فسمي بالصاعقة.
   نودي به ملكاً عند وفاة والده العام 226 ق م الذي ترك له مملكة مفككة وخزينة خاوية ومقاطعات يحكمها قادة وولاة طامعون بالاستقلال ومنهم من كان فعلاً قد ثبت استقلاله كحكام الأناضول في الشمال وبكتيريا وفرثيا في الشرق، بالإضافة إلى ملك مصر في الجنوب الذي وسع نفوذه حتى وصل إلى سلفكيا (زحلة ومعلولا) بالإضافة إلى مدينة سلوقيا بيريا على مصب العاصي.
   كان أول عمل لسلوقس الثالث هو تكليف أخيه أنطيوخوس بحكم مقاطعات شرق الفرات من عاصمة البلاد الشرقية (سلوقية التي على دجلة) وبقي هو في أنطاكيا يخطط لاسترجاع أقاليم الشمال والجنوب يعاونه في إدارة البلاد ابن خاله الشاب أخايوس.
   أرسل سلوقس عدداً من قادة جنده إلى الشمال لجس النبض ومعرفة قوة أتال الذي كان قد استولى على الأناضول فأقنعته شدة المقاومة بوجوب تولي قيادة الجيش بنفسه في حملة كبرى حاسمة وفعلاً سار سلوقس الثالث على رأس جيشه وعبرَ جبال طوروس وتجاوز القلاع والمضائق الجبلية بنجاح وبدون خسائر تـُذكر محققاً بذلك انتصاراً مبشراً بنتيجة ما بعده، لكنْ ولأسباب مجهولة قد يكون أحدها تأخير دفع رواتب الجنود أو دسيسة من أتال حاكم الأناضول قام نيكاتور وأباتوريوس وهما من قادة الجيش بدس السم في طعامه فمات في فروجيا في هضبة الأناضول في صيف عام 223 ق م.
   طلب القاتلان من أخايوس ابن خال سلوقس الثالث تسلم العرش وتولي زمام الحكم لكنه رفض رفضاً قاطعاً بل أمر باعتقالهم وإعدامهم فوراً.. وبحكمةٍ مشهودٍ لها قام أخايوس بلمّ شمل الجيش الذي تضعضعت أواصره وتفككَ وانسحب بكفاءة عالية عبر مضائق طوروس إلى بر السلام حيث نادى بأنطيوخوس الأخ الأصغر للمغدور سلوقس الثالث ملكاً على سوريا. وسمي أنطيوخوس الثالث هذا الملك الذي سيلقب بالكبير. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
6 – أنطيوخوس الثالث (ميغاس) الكبير
سادس ملوك سوريا 223-187 ق م
 
   ابن سلوقس الثاني من زوجته لاوذوكية ولد 238 ق م.. خلف أخاه سلوقس الثالث على العرش السوري عام 223 ق م وارثاً مملكة فقدت كثيراً من ممتلكاتها في الشرق والجنوب والشمال.
   رأى أنطيوخوس أنَّ من واجبه استعادة تلك الممتلكات، فأرسل فور تسلمه الحكم أحد قادة جيشه يدعى (مولون) والياً على ميديا (المنطقة شرق دجلة جنوب أرمينيا شمال بلاد فارس) وأخاه إسكندر والياً على بلاد فارس في الشرق وابن خاله أخايوس إلى آسيا الصغرى (الأناضول) وعين السياسي الداهية (هرمياس) كبيراً لوزرائه وأبقى على إبيجنوس العجوز قائداً عاماً لجيشه.
   استرد أخايوس كل ما كان آثال قد اخذه في آسيا الصغرى وطرده إلى حدود برغام (جنوب غرب تركيا) لكنه لما أتمَّ مهمته واستتب له الأمن ظهرت منه بوادر تشير إلى نزعته الاستقلالية. وكذلك مولون وإسكندر في الشرق فقد استخفا بقدرة الملك لصغر سنّه وتمردا عليه واستبدّا بالمناطق التي أرسلا إليها.
    ومن خلال الحوارات في المجلس الحربي التي دونها المؤرخون بالتفصيل نجد أن أنطيوخوس قد اقتنع بنصح وزيره هرمياس بعدم التوجه على رأس الجيش لتأديب المتمردين في الشرق والاكتفاء بإرسال فرقة بقيادة ضابطين مخالفاً بذلك رأي قائد الجيش الذي كان يطالب الملك أن يقود الحمله بنفسه لما في ذلك من أثر على معنويات الجيش.
   اختار الوزير هرمياس ابنة ميتريداتس حاكم كابادوكيا والبنطس (وسط وشمال الأناضول) لتكون عروساً لملكه أنطيوخوس في زواج ذي طابع سياسي يؤمّن لملك سوريا حليفاً في منطقة نفوذ أخايوس.. وبعد أن زفت العروس إليه في مدينة سلوقيا على الفرات (زوغما) توجه إلى عاصمته أنطاكيا لينطلق لتحرير سوريا المجوفة (سهل البقاع بين سلسلة لبنان الشرقية وسلسلة لبنان الغربية) التي يستولي عليها المصريون من عام 245 ق م وعندما كان يجهز نفسه للمسير ابتداءً من قادش جنوب بحيرة قطينة (تل النبي مندو) وصلت إليه الاستغاثة من قائديه في الشرق يعلنان فشلهما أمام مولون.. وبنصيحة سيئة أخرى من هرمياس يستند فيها على أن الملك يجب ألا يحارب إلا الملوك أرسل أنطيوخوس قائداً آخر على رأس فرقة أخرى من الجنود لنجدة من تبقـّى من أنصاره في الشرق.
   انطلق أنطيوخوس في حملته جنوباً فاجتاز سهول حمص ثم ربلة واحتل بعلبك وتوغل في البقاع لكنه لما وصل إلى خط طريق دمشق بيروت (بيريتوس) الحالي وجد حصوناً في جرها (مجدل عنجر) وبروخي (عين الباروك) ودفاعات منظمة يشرف عليها قائدٌ موالٍ لمصر اسمه (ثيودوت) ولما همّ بتجاوز هذه الاستحكامات بلغه خبر هزيمة قائده الثاني في الشرق وسقوط سلوقية التي على دجله بيد المتمرد مولون الذي وصل في كرِّهِ إلى مشارف بابل فأصبح لا بد من إيقاف الحملة على المصريين والعودة إلى الشرق لمعالجة الأمور كما نصحه قائد جيشه أنتيجنوس سابقاً.
   لم يكن هرمياس راضياً على أخذ أنطيوخوس بنصيحة قائد الجيش وخشي أن يؤدي الانتصار إذا تحقق إلى إقصائه والتقليل من قيمة نصائحه فدسَّ في بريد قائد الجيش رساله مزورة من مولون عمل على إبرازها في الوقت المناسب للملك الذي لم يتردد بإصداره أمراً بإعدامه. فخسر بفعله المتسرع هذا أخلص أركان حكمه.
   عبرَ أنطيوخوس الفرات على رأس جيش منظم مدعّم بعشرة فيلة، لكن البرد الشديد جعله يبقى بين النهرين إلى ربيع عام 220 ق.م حين انطلق لعبور دجله مقتنعاً بنصيحة قائد حامية بابل ومخالفاً رأي هرمياس بالسير بمحازات النهر. وفعلاً لم تمض ِ أيام حتى اشتبك الجيشان وانتصر أنطيوخوس على مولون وظهر حسن نصحية قائد حامية بابل وضعف بصيرة هرمياس ومما زاد من أفول نجم هرمياس أن الجناح الذي كان يقوده في المعركة كان قد انكسر في بادئ الأمر.. ولولا انتصار الجناح الذي كان يقوده الملك لكانت الهزيمة محققة.
   عندما شارفت المعركة على الانتهاء، وعندما أدرك المتمرد مولون بصورة قاطعة حتمية نصر أنطيوخوس قام مع مجموعة من قادته المخلصين بالانتحار جماعياً في حين ذهب أخوه نيولاس إلى عاصمتهم في ميديا حيث قام بقتل جميع أفراد أسرة مولون ثم انتحر خاتماً هذا الفصل من التمرد بصورة دراماتيكية غريبة.
   أمر أنطيوخوس بصلب جثه المتمرد مولون على ما درجت عليه العادة، وعاقب بعض قادته وعفا عن آخرين وقبلهم في صفوف جنده فازداد قوة ومنعة.
   توجه أنطيوخوس إلى بلاد فارس قاصداً أخاه المتمرد ألكسندر الذي لم سمع بما حدث في ميديا قام أيضاً بقتل عائلته وأمه ثم انتحر.
   وصلت أنباء من العاصمة تفيد بولادة الملكة لطفل كان ينتظره الشعب كوليٍّ للعهد ففرح الجميع بما فيهم هرمياس الذي بدرَ منه ما يشير إلى آماله وطموحه في أن يصبح وصياً على الملك الصغير في حال موت أنطيوخوس، مما أثار حفيظة الحاشية وزاد في كرههم له..
   عاد أنطيوخوس إلى سلوقية التي على دجلة عاصمة جده سلوقس الأولى ودخلها بطلاً منتصراً ومما زاد من ثقته بنفسه أنه لما علم بتمرد (أرتابان) أحد ولاة بلاد الكرج (جورجيا) همّ بالتوجه إليه خلافاً لنصح هرمياس فسارع المتمرد إلى إعلان الرضوخ والطاعة.
   إن أهم نتيجة لهذه الانتصارات المتتالية والتجارب الناجحة هي تعزيز ثقة أنطيوخوس بنفسه واقتناعه بضرورة التخلص من مستشاريه الذين أصبحوا يشكلون خطراً عليه.. ولما استطاع طبيبه الخاص أن يوصل إليه ما يقال عن هرمياس وطموحاته حسم أمره وأمر بإعدامه عام 220 ق م فهلل الجيش لذلك وقام الشعب في أفاميا بقتل زوجته وأولاده.
   توجه أنطيوخوس إلى أنطاكيا يعدُّ العدة لاستعادة ما اختلسه بطليموس مصر فأتى من يبلغه أن ابن خاله أخايوس تمرد عليه في آسيا الوسطى وسمى نفسه ملكاً (هذا الذي رفض أن يكون ملكاً عندما سنحت له الفرصة في السابق). لكن أنطيوخوس قرر تجاهل الأمر مؤقتاً والتوجه لمواجه المصريين، وتحرير سوريا الجنوبية والبقاع.
الحرب السورية الرابعة:
   توجه أنطيوخوس أول الأمر إلى مدينة سلوقيا بيريا (شمال مصب العاصي بستة كيلومترات) فقد كان بطليموس قد وضع فيها حامية مصرية عندما هب لإنقاذ أخته -كما سبق وذكرنا- فافتتح المدينة وطرد المصريين منها كان ذلك في عام 219 ق م وبهذا العمل بدأت (الحرب السورية الرابعة) وعندما توجه جنوباً قام تيودوت عامل المصريين على المنطقة باستقباله مرحّباً والرضوخ لسلطته إذ كان قد حصل نفور بينه وبين المصريين الذين اتهموه بعدم حزمه في مواجهة أنطيوخوس في المرة السابقة، فدخل صور وعكا بدون مقاومة تذكر وغنم ما كان في مستودعاتها من مؤن وذخيرة وما كان في موانئها من سفن. لكنه لم يكمل طريقه إلى مصر بسبب اقتراب موعد فيضان النيل فتوجه لإخضاع ما تبقى من المدن السورية فدانت له المدن بعضها مختارةً كحمص وبعضها عنوةً مثل دورا جنوب جبل الكرمل التي حاصرها أربعة أشهر دون جدوى إذ كان يقود حاميتها عامل مصري آخر اسمه نقولا أما دمشق فقد دخلها بحيلة...
   وقـّع نقولا (عامل مصر) هدنة مدتها أربعة أشهر مع أنطيوخوس الذي عاد بجيشه إلى سلوقية بيرية ليقضي فصل الشتاء ويتهيأ للجولة الثانية ويترك مجالاً للمفاضات، فقد كان أنطيوخوس يدّعي أنَّ كل ما في آسيا هو من ممتلكات جده سلوقس الأول وقد آلت إليه بالإرث لكنها اغتصبت من المصريين فيما بعد كما ذكرنا سابقاً بينما كان المصريون يؤكدون على فعل الزمن بتحويل اليهودية والسامرة وفلسطين وسورية المجوفة وكل ما بين لبنان الشرقي والغربي وفينيقيا إلى ممتلكات مصرية.. ومن خلال المفاوضات علم أنطيوخوس أن اتفاقاً وتواصلاً كان يتم في الخفاء بين ملك مصر في الجنوب بطليموس فيلوباتر (ومعناها محب أبيه) وابن خاله أخايوس في آسيا الصغرى شمالاً لكن هذه المعلومة لم تغير من عزمه على مواجهة المصريين.
   في عام 218 ق م أطلق أنطيوخوس من سلوقيا بيريا أسطوله جنوباً باتجاه المرافئ المصرية وانطلق هو براً فاحتل ماراثوس (عمريت) وعندما وصل إلى كالاموس (القلمون) أحرقها لأنها تمنـّعت عليه ثم احتل بوروتوس (البترون) ثم تزامنَ انتصار الأسطول السوري على الأسطول المصري قرب مصب نهر داموروس (الدامور) مع معركة برية قرب نهر الكلب انتصر فيها أنطيوخوس أيضاً مما أجبر نقولا قائد جيش مصر على التقهقر إلى صيدا تاركاً خلفه أربعة آلاف بين قتيل وأسير والكثير من المؤن والعتاد وكذلك انسحب ما تبقى من الأسطول المصري إلى صيدا ليلاقي القائد المصري هناك.
   تبع أنطيوخوس الجيش المصري إلى صيدا وحاصرها لكنه وجدها منيعة ومجهزة لتصمد في الحصار مدة طويلة، فتركها وأكمل طريقه إلى صور ثم الجليل وعبر الأردن ولما حل فصل الشتاء جعل على ما كسبه من أرض حاكمَيْن هما (إيبولوكس وشيراس) اللذيْن تخليا عن مولاهما المصري السابق وأعلنا الولاء لأنطيوخوس ومدّهما بخمسة آلاف مقاتل لضبط الأمن وذهب بجيشه الكبير ليقضي فصل الشتاء في عكا على الساحل.
   وفي الثاني والعشرين من حزيران عام 217 ق م وبالقرب من رفح (رافيا) وقف الجيشان المصري بقيادة بطليموس الرابع فيلوباتر (PTOLEMY IV PHILOPATOR ) ومعه سبعون ألف مقاتل وخمسة آلاف فارس وثلاثة وسبعون فيلاً أفريقياً، والسوري بقيادة أنطيوخوس الثالث (ANTIOCHOS III) ومعه اثنان وسبعون ألف مقاتل وستة آلاف فارس ومئة واثنان من الفيلة الآسيوي وبدأت المعركة الكبرى التي فصَّل ترجمتها من مصادرها الأصلية بالكثير من الإسهاب (المطران يوسف الدبس في مؤلفه تاريخ سوريا الديني والدنيوي) وكانت الغلبة فيها للجيش المصري فانسحب أنطيوخوس إلى أنطاكيا تاركاً خلفه أكثر من عشرة آلاف قتيل، وأربعة آلاف أسير.
   أرسل أنطيوخوس إلى بطليموس وفداً يطلب الصلح وفوّضه بالتنازل عن كل ما كان مثاراً للخلاف خوفاً من أن يتبعه بطليمس إلى عاصمته ويضعه مع أخايوس القابع في آسيا الصغرى بين فكي الكماشة. وفعلاً تم توقيع اتفاقية هدنة مدتها سنة ثم معاهدة صلح تنازل فيه أنطيوخوس عن كل فلسطين وسوريا المجوفة وفينيقيا لمصر وقد وافق بطليموس على هذا الصلح بسبب فتنة داخلية اضطر بسببها للذهاب إلى مصر .وبهذه المعاهدة انتهت الحرب السورية الرابعة.
وبعد أن اطمأن أنطيوخوس من جاره الجنوبي التفتَ إلى إعداد العدة للقضاء على عامله في الشمال أخايوس الذي سمى نفسه ملكاً واستبد بما أعطي له. فعبرَ جبال طوروس عام 216 واتفق مع آثال (ATTALUS ) ملك برغام (PERGAMENE KINGDOM ) على مهاجمته من الجهتين ففر أخايوس إلى مدينة سارديس (سرد) حيث استعصى بها محاصراً مدة سنة ونصف يعاونه في الصمود مرتزقة كان ملك مصر قد أنجده بهم لكن أنطيوخوس استطاع بحيله وخيانة من رسول مصري كان آتياً لدعمه أن يقبض عليه ويقطع رأسه عام 215 ق م
حملة أنطيوخوس الكبرى لإخضاع الشرق:
أقام أنطيوخوس في آسيا الصغرى بعد مقتل أخايوس ونظم شؤون مملكته وجيشه فتوجه إلى أرمينيا لمعاقبة حاكمها الذي كان قد امتنع عن دفع الجزية منذ عدة سنوات متوقعاً دوام ضعف أنطيوخوس بعد خسارته الحرب مع مصر لكنه لما رأى الجيش السوري على أبواب عاصمته (أرساموساتا) سارعَ لتسديد كل ما كان مترتباً عليه بالإضافة إلى ألف حصان وألف بغل كهدية حسن نية ولإزالة النفور وتوطيد عرى الصداقة تزوج ملك أرمينيا من أخت أنطيوخوس.
استعداداً للانطلاق إلى الشرق توجه أنطيوخوس إلى ميديا حيث ضرب نقوداً ذهبية تحمل صورته مستخدماً آخر ما تبقى من كنوز الإسكندر وأعلن من هناك ابنه الذي صار في الحادية عشرة من عمره خليفة له باسم أنطيوخوس الرابع..
أكمل أنطيوخوس طريقه جنوباً لينازل أرشاك (ARSAKES II) ملك الفرثيين (PARTHIAN KINGDOM) ويجبره على دفع مستحقاته للخزينة الملكية وفعلاً انتصر عليه ودخل عاصمته (هكاتومبولوس) وغنم منها مغانم كثيرة من ذهب وفضة لكن أرشاك هرب إلى الجبال جنوب بحر قزوين فاستمر أنطيوخوس بمطاردته عابراً الصحراء القاحلة هناك بمشقة كبيرة إلى أن اضطر أرشاك للاستسلام وتوقيع معاهدة عام 208 ق م يعترف بموجبها بسيادة العرش السوري والتزامه بدفع كل مستحقاته المتأخرة وتنفيذ أوامر أنطيوخوس ونجدته عند الضيق.
وفي عام 207 أكمل أنطيوخوس مسيرته إلى الشرق فدخل بكتريا ( منطقة تركمانستان وأفغانستان) التي كانت حدودها تصل إلى الهند في ذلك الزمان (BAKRIAIAN KINGDOM ) وحارب ملكها آنذاك أوتيديموس الأول ( EUTHYDEMOS I ) الذي لم يتعظ من جيرانه معتمداً على عشرة آلاف فارس مِن أكفأ الفرسان في ذلك الزمان لكن أنطيوخوس عرف سر قوة غريمه فهاجمه بنفسه ليلاً على رأس مجموعة من أقوى فرسانه فبددت المفاجأة جيش البكتيرين وهرب ما تبقى منهم مع ملكهم إلى عاصمتهم بكترا (بلخ) ورغم إصابة أنطيوخوس وفقدانه حصانه وبعض أسنانه استمر في ملاحقة غريمه ففرض حصاراً قوياً على العاصمة أسفر عن استسلام ملك البكتيريين وتوقيع معاهدة اعترف فيها بسيادة العرش السوري وتعهد بتقديم فيلة حربية وعتاد ومؤن لجيش أنطيوخوس لكنه طلب أن يحتفظ بلقب (ملك) فوافق أنطيوخوس على ذلك كان هذا عام 206 ق م
ولما استلم أنطيوخوس الفيلة أكمل طريقه وعبرَ القفقاس ووصل إلى حوض السند (الباكستان حالياً) حيث كان ملكها حفيد (تشاندرا جوبتا) قد توفي حديثاً ونشب بوفاته صراع على الخلافة فما كان من أنطيوخوس إلا أن أيد أحد المتنافسين وهو (سوفاجاسنوس) وثبته على عرشه مقابل ولائه للعرش السوري والتزامه تقديم مبلغ كبير من المال وإمداد الجيش السوري بعدد من الفيلة والعتاد العسكري. فأصبح مجموع ما غنمه أنطيوخوس خلال حملته المظفرة هذه مئة وخمسين فيلاً سيكون لها أثرها في انتصاراته اللاحقة
ومن الهند آخر محطة في حملته المظفرة إلى الشرق استدار أنطيوخوس عائداً إلى سوريا عابراً سهوب آسيا الوسطى وبلاد فارس في درب طويل دانَ له فيه كل ملوكه وحكامه فدخل عاصمته الشرقية سلوقيا التي على دجلة عام 205 ق م مظفراً مبجلاً مكللاً بالغار ومن هذا التاريخ لم يعد يذكر أنطيوخوس الثالث على لسان أحد من المؤرخين إلا مع لقب ( الكبير ) .أو (العظيم) 
ومن سلوقية التي على دجلة التفت أنطيوخوس الكبير جنوباً.. وبقصد استكمال السيطرة على طرق التجارة الدولية بين الشرق والغرب ركب سفنه في دجلة قاصداً الخليج الفارسي حيث قامت على ضفته الغربية (شمال قطر - مقابل البحرين) دولة صغيرة سميت (جرها) على اسم المدينة الوحيدة فيها.. فبالرغم من قلة سكانها وضعفهم كانوا يتعهدون الخط التجاري الذي يبتدئ من مرفئهم (جرها) وينتهي بالبتراء عاصمة الأنباط مروراً بالحجاز (مكة والمدينة) فلما وصل أنطيوخوس إلى (تولوس) البحرين علم شيوخ (جرها) بغايته فأرسلوا له رسالة يعبّرون فيها عن ولائهم التام ويذكرون بحسن علاقتهم مع العرش السوري من أيام أجداده وأعربوا عن استعدادهم الدائم والمستمر لتقديم كل طلباته وأرسلوا مع الرسالة كمية من الفضة وهدايا من توابل الهند فقبل أنطيوخوس الهدية وعدل عن عزمه باحتلال (جرها) وعاد إلى عاصمته محملاً أيضاً بهدايا من اللؤلؤ قدمها له حكام (تولوس – TYLOS). البحرين
الحرب السورية الخامسة:
عاد أنطيوخوس إلى عاصمته الغربية أنطاكيا واستقر نظره إلى الجنوب يتحيَّن فرصة سانحة لاسترداد بقية سوريا من المصريين... خصوصاً وأن مصر لم تعد قوة ذات شأن بعد أن جنح ملكها إلى ملذاته بعد انتصاره على السوريين في رفح وترك شؤون الحكم لوزرائه المتنافسين.. وبغياب مصر عن مسرح الأقوياء لم يعد في العالم سوى ثلاث قوى عظمى هي سوريا ومقدونيا وروما.
في العام 204 ق م وما إن سمع أنطيوخوس خبر وفاة ملك مصر بطليموس الرابع الذي وقع معه المعاهدة حتى تواصل مع فيليب ملك مكدونيا واتفقا على تنسيق العمل ليحصل أنطيوخوس على غايته وهي الوصول إلى حدود سوريا الطبيعية ويأخذ الملك المقدوني ليبيا وممتلكات مصر في شمال أفريفيا وفعلاً توغل أنطيوخوس في سوريا المجوفة (البقاع) ثم إلى فلسطين واستحوذ كافة مدنها بدون مقاومة تذكر ووصل إلى تخوم مصر بمعركتين صغيرتين وهكذا أصبحت كل سوريا الطبيعية موحدة تحت راية أنطيوخوس الثالث الكبير.. وكذلك فعل الملك المقدوني في شمال أفريقيا فسارع رجال الدولة في مصر وطلبوا الحماية من روما وطالبوها بإرسال من يلزم ليكون وصياً على الملك الصغير لتدبير شؤون المملكة، وجيشاً يحمي إرثه حتى يشب ويبقى حليفاً لها. فسارعت روما تلك الدولة الفتية الناشئة حديثاً لتلبية الطلب وعينت مارك لابيدوس وصياً على ملك مصر وأرسلت مفوضين اثنين يبلغان الملكين السوري والمقدوني بأن كل اعتداء على مصر هو اعتداء على روما. فكان هذا الحدث أول اتصال مباشر أُرخ له بين روما وأنطاكيا في التاريخ ويعتبر فاتحة عهد جديد في العلاقات الدولية كما قال المؤرخ فيليب حتي فالقوة الجديدة النهمة التي برزت على مسرح الأحداث السياسية في غربي البحر المتوسط ووسطه كانت متوترة جداً، بسبب دخولها معترك التنافس على امتلاك المتوسط والسيطرة عليه وقد قلَّصوا فعلاً نفوذ قرطاجة الفينيقية في الغرب وتغلبوا على هنيبعل في معركة الزاما ذلك الجبار الذي جعلهم يخافون من غسل أيديهم في البحر السوري (المتوسط كما كان يدعى)، لقد أدركوا أن أنطيوخوس الثالث بلغ درجة كبيرة من القوة قد تجعله يكمل ما بدأه هنيبعل ويعيد سيطرة السوريين على المتوسط فأتت دعوة مصر لهم بمثابة حجة وحل لقضيتهم الرئيسية وهي وجوب القضاء على القوة السورية في الشرق كما فعلوا بالغرب في الحرب الفينيقية الأولى والثانية. بدأت روما المعارك مع الملك المقدوني أولاً حتى انتزعوا منه شمال أفريقا وباشروا بمضايقة أنطيوخوس في سيناء وفلسطين وبعض مدن الساحل
بعد فترة من الهدوء على الجبهة المصرية اضطر أنطيوخوس ليسير بجيشه إلى آسيا الصغرى لمحاربة آثال (ATTALOS ) ملك برغام فانتهز الحاكم الروماني في مصر الفرصة وأرسل جيشاً عام 199 ق م ليسترد مدن فلسطين فأخذ اليهودية وأورشليم وغزة وبعض مدن فلسطين وعاد إلى الإسكندرية ليقضي فصل الشتاء. فما كان من أنطيوخوس إلا أن صدق على عجل صلحاً مع آثال في الشمال وعاد .مسرعاً إلى سوريا للانتقام من مصر فجند الجيوش واجتاح سوريا الجنوبية كلها وطرد الحاميات المصرية وعندها عاد سكوباس قائد جيوش مصر من الإسكندرية فاستدرجه أنطيوخوس إلى الداخل السوري والتقى الجيشان في بانياس التي في الجولان (نسبة للإله بان) ونشبت المعركة الكبرى التي عرفت بالحرب السورية الخامسة وكانت نتيجتها أن تمزَّق الجيش المصري شر تمزق وهروب سكوباس إلى صيدا مع عشرة آلاف جندي هم كل مَن بقي من جيشه الذي كان تعداده سبعين ألفاً، فتبعه أنطيوخوس وحاصره هناك فأرسلت حكومة مصر ثلاثة من أفضل القادة مع نخبة من المقاتلين لفك الحصار فلم يفلحوا فاضطر سكوباس أن يقبل شروطاً مذلة مقابل حياته وعاد إلى الإسكندرية مع جنده عزلاً من السلاح عراة من الثياب في وضع مشين وصفه أكثر المؤرخين كان ذلك عام 198 ق م
توجه أنطيوخوس بعد صيدا إلى غزة التي قاومته فاحتلها عنوة وأباحها لجنده بسبب وقوفها مع المصريين ثم وصل إلى ثغور سوريا الجنوبية ووضع حاميات فيها ليسد الطريق على المصريين إذا ما حاولوا الكرة. ثم عاد شمالاً ليخضع المدن التي دخلها المصريون وليضع لها حكاماً وولاة سوريين فلما رأى الشعب شدة بأس أنطيوخوس خرجوا واستقبلوه بالورد والرياحين حاملين معهم مفاتيح المدن بما فيهم اليهود.
بعد استقرار الأمور واستتباب الأمن في سورية الطبيعية كلها رغب أنطيوخوس في العودة إلى آسيا الصغرى لإتمام ما لم يستطع إتمامه عندما غادرها على عجل.. ولأسباب عدة قد يكون أحدها خشية أنطيوخوس من عودة المصريين بدعم روماني إلى جنوب سوريا اقترح عليهم صلحاً طويلاً متيناً يدعمه تزويج ابنته كليوباترا (أصبحت كليوباترا الأولى) إلى ملك مصر القاصر بطليموس إبيفانيوس.عند بلوغه سن الزواج، وعند إتمام الزفاف يجعل سوريا الجنوبية مهراً لابنته وعربون محبة وسلام، فاستحسن المصريون الأمر ووقعوا اتفاقاً بذلك وتركوه يفعل شمالاً ما يشاء .
وبعد هزائم مقدونيا المتتالية أمام الرومان وخروجها من ملعب الأقوياء لم يبقَ في العالم إلا قوتان رئيستان سوريا وروما، ولم يكن صعباً على أي مراقب أن يدرك أن المواجهة بينهما أصبحت حتمية ووشيكة.
بعد أن اطمأن أنطيوخوس من جهة المصريين انطلق شمالاً إلى آسيا الصغرى (تركيا) سنة 196 ق م واستولى على مدن عديدة حتى وصل إلى إزمير في الغرب فاستنجد بعض أمراء المدن بالدولة الرومانية لنصرتهم على أنطيوخوس كما فعلت سابقاً مصر. وبالاتجاه المعاكس استنجدت بعض المدن اليونانية والمقدونية بأنطيوخوس الذي أصبح قريباً منهم ليخلصهم من الرومان الذين كانوا قد دخلوا مدنهم وخربوها عندما تغلبوا على ملكهم المقدوني فيليبوس
لما همَّ أنطيوخوس بعبور البوسفور إلى أوروبا شعرت روما بخطورة الوضع فأرسلت حلفاءها حكام جزيرة رودس ليفاوضوه ويقنعوه بالعدول عن الدخول إلى أوروبا والاكتفاء بما له في آسيا.. لكن وفي أثناء المفاوضات تبلغ الفريقان نبأ انكسار فيليب ملك مقدونيا أمام جيش روما فشعر الفريقان بفداحة الأمر وخطر الرومان المستجد وتغير موقف أهل رودس وأوقفوا المفاوضات واتفقوا على احترام كل فريق لرغبات الآخر وحقه في ممتلكاته فضلاً عن تأييد رودس لسياسة أنطيوخوس في المستقبل.
أبقى أنطيوخوس فرقة من جيشه لحصار إزمير في آسيا وعبرَ الدردنيل بفرقة أخرى متوِّغلاً في أوروباً بقصد نجدة وتملك المدن التي كان الرومان قد احتلوها من أملاك فيليب المقدوني والتي كانت أصلاً في فترة سابقة من أملاك أجداده فوصل إلى ليسماكيا في تراكيا (الجزء الأوروبي من تركيا اليوم) فوجدها متهدِّمة فأمر بتجديد بنائها لتكون عاصمة لابنه في الشق الأوروبي من إمبراطوريته
كان الرومان وفي خطوة سياسية ذكية قد أعطوا الحرية للمدن التي أخذوها من فيليب المقدوني لكسب ود شعبها واستغلوا شكوى بعضها من الجيش السوري لإرسال وفد إلى بلاط أنطيوخوس محمّلاً بعدة مطالب أبلغوه إياها تباعاً، وكان من بينها أن يعيد فلسطين إلى ملك مصر والتخلي عن أملاك فيليب في مقدونيا واليونان ويُبقي على استقلال بعض المدن في آسيا الصغرى كإزمير وإنهم غير مرتاحين لعبوره إلى أوروبا بهذا الجيش (الجرار) وأنهم يرون في ذلك إشارة عدوانية تجاههم.. فأجابهم أنطيوخوس بحزم موصوف: إن ملك مصر سيظفر بفلسطين عندما يبلغ سن الزواج وإن المدن التي تطلب الاستقلال في آسيا يجب أن تطلبه منه وليس من الرومان وطلب منهم عدم التدخل في شؤونه كما يفعل هو ولا يتدخل في شؤونهم في إيطاليا وإن دخوله إلى أوربا هو لاسترداد أملاك أجداده فقط ولا داعيَ للقلق.  فطلب منه الوفد الروماني السماح لحكام إزمير وبعض المدن الآسيوية بالدخول إلى الاجتماع لتقديم شكواهم وطلباتهم فلما سمح لهم وبدؤوا بالكلام شعر أنطيوخوس أن الرومان أصبحوا في موقع الحكم فاحتد وقال: ليس الرومان قضاة في هذه الأمور وأنهى الاجتماع على خلاف ونفور
بينما كان أنطيوخوس يتهيأ لحربه الكبرى التي عرفت فيما بعد بالحرب السورية الرومانية الأولى تناهت إليه إشاعة بأن ملك مصر قد قتل فخشي أن يأتي إلى الحكم مَن لا يحترم المعاهدة المبرمة بينهما فغادر بأسطوله قاصداً مصر لكنه وعلى مشارف قبرص علم بأن الخبر غير صحيح فقرر العودة لكن عاصفة هوجاء اضطرته إلى الجوء إلى خليج السويدية بعد أن فقد الكثير من سفنه .
مضى أنطيوخس إلى أنطاكيا ليقضي فصل الشتاء وليتحضر للحرب العظيمة التي شعر أنها أصبحت قضية حتمية والمسألة مسألة وقت، فالبحر السوري يكاد يصبح بحراً للرومان ومصر وشمال أفريقيا أصبحت تحت نفوذ الرومان ووفود رومانية تتحدى وتهدد وتنصب نفسها حكماً بين الناس، فذهب إلى رفح واستدعى ملك مصر وزوّجه ابنته كليوباترا وتخلى له كمهر عن فلسطين وسوريا المجوفة حتى قادش، شرط الاحتفاظ بنصف خراجها وشيء من التواجد العسكري فيها. وزوج ابنته الثانية لملك الكابادوك وفي سياق خطته لحماية ظهره أراد تزويج ابنته الثالثة لملك برغامس لكن ذلك لم يقبل حرصاً منه على رضى الرومان.
في عام 195 ق م ارتعد قلب الرومان عندما تبلغوا نبأ وجدود هنيبعل القائد القرطاجي في بلاط أنطيوخوس فازداد التوتر وتسارعت وتيرة التأهب والاستعداد عند الطرفين. وكان هنيبعل قد فرَّ من قرطاجة عندما علم أن شيوخَها سيرضخون ويسلمونه للرومان الذين ادعوا وجود مراسلات سرية بينه وبين أنطيوخوس... وصلَ هنيبعل أولاً إلى مدينته الأم صور وهناك تلقى دعوة رسمية لحضور احتفالات(دفنة) الشهيرة التي كان يرعاها الملك سنوياً (وهي مصيف قرب أنطاكيا) ولما ذهب إلى هناك قيل له إنَّ أنطيوخوس في أفسس يرتب شؤون جيشه ومعسكراته فذهب إليه.
سر أنطيوخوس بلقاء هنيبعل كثيراً واحتفى به وعامَله معاملة الأبطال واستشاره باستعداداته للحرب الكبرى وهو الخبير في شؤون الرومان.. كان هانيبال يرى أنه يجب محاربة الرومان في أرضهم وأنه من الحكمة عدم استدراجهم إلى خارج إيطاليا، ولم يطلب من أنطيوخوس سوى مئة سفينة وعشرة آلاف جندي وألف فارس ليمضي بهم إلى قرطاجة آملاً أن يبعث أهلها على الانضمام إليه وأنه إذا لم ينجح بضمِّهم إليه سار بما لديه إلى إيطاليا ليشغل بالهم ويلهيهم عن أنطيوخوس الذي يجب أن يكون في هذه الفترة قد احتل اليونان ووقف بموقع التهديد لروما .فتصبح روما بين فكَّي الكماشة.
أرسل هنيبعل رسولاً إلى قرطاجة يبلغهم بما ينوي وما يطلب منهم لكن لسوء الحظ والأخلاق سرّب القرطاجيون الخبر إلى الرومان وافتضحت الخطة. وعندها بادر الرومان إلى عدة تصرفات ذكية كان من شأنها إرباك أنطيوخوس فقاموا بسحب حامياتهم من المدن المقدونية واليونانية التي أعلنوها حرة فكسبوا ودَّ أهلها وقطعوا الطريق على أنطيوخوس الذي كان يرغب بتحريرها مدّعياً أن الحرية المعطاة لهم من الرومان زائفة ووهمية بدلالة وجود الحاميات الرومانية فيها، كما أرسلوا وفداً إلى أنطيوخوس جعلوا له هدفاً آخر غير التحقق من القوى والنوايا وهو زرع الخلاف والشك بين هنيبعل وأنطيوخوس وفي روما ومن أجل تقوية الثقة بالنفس أعادوا انتخاب (سكيبيو الأفريقي) الذي تغلّب على هنيبعل قنصلاً للمرة الثانية.
وبينما كان أنطيوخوس مشغولاً بحرب صغيرة في بيسيديا تردد فيليبوس أحد أعضاء الوفد الروماني على هانيبعل الذي كان مقيماً في أفسس متودداً إليه مُطمئناً إياه بأن روما لن تطالب به فنجحت خطة الروماني الشيطانية. ورغم أن هذا التودد لم يُجدِ نفعاً مع حنابعل إلا أن كثرة تردد الروماني عليه أثارت شكوك أنطيوخوس فصار يستبعده من مجلس استشاراته ولم يعد يجتمع به وعدل عن تسليمه المهمة القتالية التي اتفقا عليها.
شعر هانيبال بأن الملك قد تغير معه فطلب مقابلته ولما تم ذلك قال له: (إني منذ صبوتي أقسمت أن أكون عدواً للرومان ما حييت، وهذه اليمين هي التي جعلتني أحاربهم ستاً وثلاثين سنة وأبعدتني عن وطني وألجأتني إليك، فإن خيبتَ آمالي أرغمتَني أن أجول الأرض مهيجاً على عداوة الرومان، وإن عولتَ على حربهم فاكتبْ اسمي في أعلى قائمة محبّيك، وإن اضطررت إلى مسالمتهم فاسأل رأيَ غيري فإني لا أشير على أحد بالمسالمة لهم) عن تاريخ سوريا للدبس ج 2 مجلد 3) وعندها أظهر له أنطيوخوس عودة الثقة به.
وبينما كان العملاقان يتحضران للحرب نشب نزاع بين عشائر اليونان فطلبت عشيرة (الإيتوليين) من أنطيوخوس النجدة وفصل الخلاف وتأمين البلد فلبى أنطيوخوس طلبهم واستحوذ على مدن كثيرة فاستاء الرومان من تصرفه ونشبت بينهم معارك صغيرة كانت بواكير ومقدمات للحرب الرومانية السورية الأولى..
كانت هذه المعارك تنتهي دوماً لصالح الجيش السوري، مما جعل أنطيوخوس يتراخى ويستخف بأعدائه.. لكن هنيبعل استشرف بحدسه وخبرته في شؤون الرومان الخطر القادم وطلب من أنطيوخوس جلب جيشه من آسيا والاستعداد للمعركة التي أصبحت برأيه وشيكة لكن أنطيوخوس لم يصغ ِ إليه ونظر إلى الأمر بخفة مدعياً بأن المعركة الكبرى لم يحن وقتها بعد، وأن الرومان غير مستعدين للمواجهة في الوقت القريب.. ومراسلاتهم معه تشير إلى رغبتهم بالمسالمة.
ومما زاد الطين بلة أن أنطيوخوس الذي كان في الخمسين من عمره وقع في غرام ابنة حاكم مدينة (كلشيس) التي كان مقيماً فيها بعد أن حررها من الرومان وبدأ يتصرف معها أمام الناس كمراهق عمره خمس عشرة سنة، ثم تزوجها وقضى معها الشتاء بأكمله في شهر عسل طويل مهملاً جيشه وشؤون مملكته ملتهياً بحبه الجديد.
لم يستفق أنطيوخوس من حلمه إلا عندما باغته (آشيل) قائد جيش الرومان بجيش جرار ضخم في (تساليا) فهب لمنازلته بمن معه من جند ولم يكونوا أكثر من عشرة آلاف مقاتل إذ لم يكن لديه الوقت الكافي لجلب جيشه من آسيا ولم تسعفه قبائل اليونان لأسباب عديدة منها رداءة الطقس..
لجأ أنطيوخوس في محاولة دفاع يائسة إلى تحصين مضائق جبل ترموبيلي، وتمترسَ خلفها لكن لم يكن لديه القوة الكافية لردع ذلك الجيش الجرار فلحقت به الهزيمة المشهورة في مصنفات التاريخ الروماني بموقعة ترموبيلي Thermopylae عام 192 ق.م، وأصيب هو بحجر كبير كسر له أسنانه ففرَّ من ساحة المعركة من شدة الألم. وفي (ترموبيلي) انتهت الحرب السورية الرومانية الأولى بخسارة موصوفة للسوريين. ويذكر المؤرخون وصفاً مسهَباً عن الاحتفالات التي حصلت في روما والقرابين التي قدمت للآلهة بمناسبة انتصار روما على السوريين، وقد سمّوها حرباً بينما هي كانت أشبه بمعركة لم يشارك فيها من الجيش السوري إلا 10000 مقاتل.
هرب أنطيوخوس مع من تبقى معه من حرسه إلى آسيا الصغرى، ومكث في أفسس حيث كثر من حوله المتملقون الذين كانوا يطمئنونه بأن الرومان لن يعبروا إلى آسيا وأن أحلامهم تنتهي في أوروبا.. لكن هنيبعل -وحيداً- كان ينصحه بألا يطمئن إلى ذلك ويحثه على استعجال قدوم جيشه من الشرق والجنوب، وأن الرومان عازمون على السيطرة على العالم بأسره، وأنه إذا أغفل مرادهم وترك لهم المجال سيضطر بعد فترة قصيرة إلى التخلي حتى عن سوريا فغايتهم هي السيادة بمفردهم وتحويل البحر السوري إلى بحر روماني.

 

 

أنطيوخوس الثالث الكبير
أدرك أنطيوخوس متأخراً خطط الرومان فأمر بتعجيل قدوم الجيش وأرسل فرقة منه إلى تراكيا (على الضفة الأوروبية) حيث حصن ليسماكيا وجهز أسطولاً مهمته منع عبور الرومان من الدردنيل وحاول ضرب أسطول الرومان في البحر ففشل في أول معركة وخسر عشر سفن، وغنم الرومان منه ثلاث عشرة سفينة سالمة، فأرسل هنيبعل إلى سوريا ليجلب له سفنها. وكلف ابنه سلوقس على رأس فرقة من جيشه بحماية السواحل وأخذ فرقة أخرى وسار إلى فريجيا.
أما الرومان فقد أقاموا كرنيليوس شيبيون قائداً لجيوشهم عام 190 ق.م بدل آشيل وتطوع أخوه شيبيون الأفريقي بأن يكون نائباً له في هذه الحرب التي سميت فيما بعد بالحرب السورية الرومانية الثانية (Roman-Syrian War)
الحرب السورية الرومانية (Roman-Syrian War)
اجتاح الرومان مقدونيا ولما وصلوا إلى الدردنيل أرسلوا بطلب الأسطول الروماني لتسهيل عبورهم. وأتى أيضاً لنصرتهم أسطول من رودس فلاقاه أسطول أنطيوخوس في ميناء ساموس وأغرق وأحرق لهم تسعاً وعشرين سفينة، فغضب الرودسيون كثيراً وهبّوا إلى الانتقام فلاقوا سفن السوريين التي كان هانيبعل آتياً بها فباغتوه وهزموه إلى البر وحاصروه حيث لا ينتفع منه أنطيوخوس.
أمر أنطيوخوس أسطوله بمهاجمة أسطول الرومان فكانت الغلبة أيضاً للرومان وعندها (أعمى الله بصيرته على حد قول المؤرخ الكبير الدبس) إذ أمر بالانسحاب من أوروبا والتقهقر إلى أفسس في آسيا فغنم الرومان من حصونه غنيمة باردة كبيرة جاهزة فازدادوا بها قوة.
عندما عبر الرومان الدردنيل أدرك أنطيوخوس سوء عاقبة الحرب عليه فأرسل وفداً يفاوض الرومان بقصد التملص من المعركة الكبرى أو تأجيلها وأدخل في المفاوضات تسليم ابن شيبيون الأفريقي نائب قائد الجيش الروماني الذي وقع أسيراً لدى أنطيوخوس، لكن شيبيون رفض تحرير ابنه بمقابل شروط، وازداد الرومان تشدداً في المفاوضات واشترطوا للسلام شروطاً صعبة منها الانسحاب من كافة آسيا الصغرى ودفع نفقات الحرب كافة وتسليم الفيلة وغيرها من الشروط التي جعلت أنطيوخوس يشعرأن الخسارة والانكسار في الحرب سيكون أهون عليه من قبولها فقرر المحاولة والحرب، وببادرة إيجابية منه أطلق سراح ابن شيبيون عندما علم بمرض والده فأثر ذلك على سرعة شفائه وبالمقابل رد شيبيون الجميل ونصح رسول أنطيوخوس بتأخير الحرب قدر الإمكان.
كان جيش أنطيوخوس مؤلفاً من أربعة وخمسين فيلاً يدعمون سبعين ألف مقاتل واثني عشر ألف فارس لكنهم كانوا من شتى أرجاء العالم على عكس الرومان الذين كان جيشهم رومانياً مع القليل من شمال أفريقيا وكانوا مدربين أحسن تدريب... خشي الرومان طول الانتظار وحلول الشتاء فتقدموا باتجاه أنطيوخوس إلى قرب مغنيزيا Magnesia (جنوب غرب تركيا اليوم) ولما بدأت المعركة كان النصر في البداية لأنطيوخوس فكسر ميسرة جيش الرومان الذين لاذوا بالفرار فأسرع القائد الروماني ماركوس إميليوس وتصدى للفارّين من جيشه وبدأ البطش بهم فعادوا للقتال بشدة مكرهين ولم يمض ِ وقت طويل حتى لاحت علامات فوز الرومان وكانت النتيجة هزيمة نكراء للجيش السوري فقتل أكثر من خمسين ألف من المقاتلين وأسر ألفاً وأربعمئة، فترك أنطيوخوس ساحة المعركة وعاد إلى أنطاكيا مكسور الجناح.. وبذلك انتهت هذه الحرب التي لم يحضرها هنيبعل لأنه كان محاصراً في بمفيليا وأصبحت روما بنتيجتها سيدة العالم بدون منازع كان ذلك عام 190 ق م
أرسل أنطيوخوس ابن أخيه أنتيباتر إلى الرومان يسألهم الصلح والأمان (قد عفوتم أنتم الرومانيين أبداً بعزة نفسكم عن الملوك والشعوب الذين انتصرتم عليهم ولا شك في أنكم تصنعون الآن كذلك بعد انتصارٍ جعلكم سادة العالم كله حتى ضارعتم الآلهة فدعوا المنافسة للناس ورافقوا بالمائتين) فعقد القائد لجنة مشورته واتفقوا على الجواب وكلفوا شيبيون الأفريقي بالكلام فقال: (إن الرومان لا تهولهم شدة ولا ينتفخون بالنصر، وعليه فلا يطلبون بعد الحرب إلا ما كانوا قد طلبوه قبلها ولهذا يجب على أنطيوخوس.
1-أن يتخلى عن كل ما وراء جبال طوروس
2-أن يدفع كامل نفقات الحرب البالغة 15000 تالنت فضي ( تعادل 15 طناً من الذهب )[2] فيدفع على الفور خمس مئة تالنت وألفين وخمسمئة عن تصديق المعاهدة في (الندوة) في روما ثم يقسط الباقي على اثني عشر قسطاً خلال اثني عشر عاماً 
3-أن يقدم عشرين رجلاً يختارهم الرومان كرهائن لحسن تنفيذ الاتفاق يتم تبديلهم كل ثلاث سنوات ما عدا ابن أنطيوخوس.
4-أن يسلمهم كل من كان سبباً باصطلاء نار الحرب وكان على رأس المطلوبين عدوهم اللدود هانيبعل وتواس الإتولي.
5-أن يمتنع أنطيوخوس عن تجنيد المرتزقة والجنود من المناطق التي خرجت عن سيطرته.
6-أن يسلم الفيلة ولا يمتلك أكثر من عشرين سفينة حربية أو سفينة قادرة على القتال وهو عدد كافٍ باعتقادهم للدفاع عن موانئه
وافق أنطيوخوس على الشروط ووقع وفده المعاهدة التي عرفت فيما بعد بمعاهدة أفاميا (أفاميا التي في تركيا حالياً)
أرسل القائد الروماني وفدَ أنطيوخوس مع الرهائن إلى روما ليلتمس تصديق العقد من قبل (الندوة) إذ إن روما كانت جمهورية آنذاك وكان من بين الرهائن أنطيوخوس الابن الثاني لأنطيوخس الثالث الذي أصبح فيما بعد ملكاً، ولمّا مثل الوفد أمام الندوة لم يطلبوا إلا تصديق الاتفاق فوافق رجال الندوة وأيدهم ديوان الشعب وفور الموافقة عمت الاحتفالات في روما وقدم أهلها القرابين للآلهة. تم ذلك في عام 189 ق. م، والبعض يحسبها في 188 ق.م.
..لما سمع هنيبعل بالشروط المجحفة فرَّ قبل توقيع المعاهدة إلى بثينية (BITHYNIA ) في آسيا الصغرى (خارج نطاق سلطة أنطيوخوس) حيث وعده ملكها بروسيوس الثاني (PRUSIUS II ) بملاذٍ آمن إلى أن افتضح أمره ولم يعد يستطيع الحاكم حمايته فانتحر عام 183 ق م قائلاً في انتحاره: (إن هذا سيوفر على الرومان قلقهم في انتظار موت رجل مسن مكروه).
قطعة نقود عليها صورة هنيبعل (حنا بعل) ضرب قرطاجة في تونس
 
كلف أنطيوخوس ابنه سلوقس وليَّ العهد بإدارة البلاد وأصبح بعد الهزيمة حادَ الطبع، كثير الشراب. ولما توجه شرقاً ليجمع ما يمكن جمعه من ذهب لدفع الغرامة الهائلة التي التزم بها لروما. وعندما كان في عيلام في بلاد فارس قيل له إن معبد جوبيتر يحتوي على كنز يحقق الغرض فقام بمصادرة كنوزه بحجةٍ واهية أثارت مشاعر الشعب فتربصوا به وهاجموه ثم قتلوه مع حاشيته. كان ذلك عام 187 ق.م وبهذا انتهت حياة أنطيوخوس الكبير التي دامت ستة وثلاثين عاماً حافلة بالأحداث الكبرى التي غيرت وجه التاريخ سواء بالانتصارات أم بالهزائم . .
 
 
7 – سلوقس الرابع فيلوباتر (فيلوباتر = محب أبيه)
سابع ملوك سوريا 187 - 175 ق م
 
 
لم تحدث في حياة هذا الملك أحداثٌ ذات قيمة تاريخية، فبعد موت والده أنطيوخس الثالث (187 ق.م) استقلت الأقاليم التي كان قد ضمها والدُه لملكه واقتصرت حدود الدولة السلوقية السورية على الهلال الخصيب (سوريا الطبيعية) وغرب إيران، وبدأت الإمبراطورية الرومانية بفرض سطوتها على المتوسط، أما سلوقس الرابع فقد قضى فترة ملكه يجمع المال اللازم ليفي بما التزم به للرومان في معاهدة أفاميا (التي في تركيا) حيث وقـّعها والده.
وفي تلك الفترة كانت أخته كليوباترا تحكم مصر مع زوجها بطليموس إبيفانيوس الذي ما إن بدأ بالاستعداد لمهاجمة سوريا في محاولة لاسترداد سورية المجوفة، حتى دس له أعوانه السم فمات عام 181 ق.م، وعندها انفردت كليوباترا الأولى أخت سلوقس الرابع بالحكم كوصية على الملك الصغير بطليموس فيلوماتر (ومعناها محب أمه) الذي كان له من العمر ست سنوات فقط.
أما في سوريا وحيث إن اتفاقية السلام مع روما تنص على أن يكون ابن ملك سوريا من الرهائن الدائمين حتى انتهاء دفع الأقساط فقد قام سلوقس الرابع بإرسال ابنه البكر وولي عهده ديميتريوس -عندما اشتد عوده- إلى روما ليستبدل به أخاه الذي كان رهينة عند الرومان منذ توقيع المعاهدة في عهد والده فخلا البلاط السوري من وريث شرعي لوهلةٍ من الزمن كانت كافية لإغراء الوزير هليودوروس، فدس لسلوقس السم بقصد الاستيلاء على العرش عن طريق الوصاية على ابنه الثاني الطفل المدعو أنطيوخوس الذي أعلنه ملكاً فور موت والده عام 175 ق.م.
 
 
 
 
8 ـ أنطيوخوس الرابع إيبيفانيوس (إيبيفانيوس = الشريف)
ثامن ملوك سوريا (175 ـ 164 ق.م)
 
 
لم يختلف المؤرخون في تقييم حاكم أو ملك بقدر ما اختلفوا على أنطيوخوس الرابع... منهم مَنْ وصفه بغريب الأطوار ومنهم بالساذج والممسوس ومنهم مَنْ نحا منحى التوراة فوصفه بالحقير كما ورد في سفر دانيال (فصل 11 عدد 21) (حقير لا يعطى مزية ملك) وفي سفر المكابيين قالوا عنه (جرثومة). كل هذا القدح والذم لأنه وضع اليهود أمام الخيار الصعب عليهم منذ ذلك الزمان.. لقد خيرهم بين الاندماج في المجتمع كبقية الشعوب أو الرحيل.. وسنرى في السياق ما سيكون من فعل وردّة فعل منهم  
وسيستغرب القارئ الحيادي كيف يبني المؤرخون حكمهم على ملك من خلال تصرفاتٍ نجدها بمقاييس اليوم مثالية، فيصفون فاعلها بالمارق والحقير والجرثومة.. . وعليه سأنقل سيرة هذا الملك بأمانة وبدون تعليق وسأترك للقارئ الحكم فيما إذا كان هذا الملك أعظم ملوك سوريا أم أحقرهم كما قال عنه اليهود   
كما أوردنا في الحلقة الماضية تم تبديل الرهائن واستقر ديميتريوس الابن البكر لسلوقس الرابع في روما كرهينة ثابتة تنفيذاً لمعاهدة أفاميا وأطلق سراح أنطيوخوس الذي سارع بالعودة مشتاقاً إلى سوريا بعد أن قضى في الإقامة الجبرية ثلاث عشرة سنة. وفي طريق عودته ولما وصل إلى أثينا تبلغ نبأ وفاة أخيه واستيلاء الوزيرهليودوروس على العرش بصفته وصياً على ابن أخيه الطفل فما كان منه إلا أن لجأ إلى أومان ملك برغامس وأخيه آثال في الأناضول وطلب منهما المساعدة لاسترجاع ملكه وعرشه من المغتصب ولما كانت روما قد أظهرت الرضا عن هذا الطلب لبّى الملكان الطلب وجيّشا له ما أمكن من قوة استطاع بواسطتها استرداد ملكه وارتقاء العرش.. وبذلك أصبح اسمه أنطيوخوس الرابع إبيفانيوس ومعناها الشريف وفي بعض المسكوكات لقب نفسه إلهاً وغازياً أحياناً.
تأثر أنطيوخوس بالثقافة والديمقراطية الرومانية حيث أقام ثلاث عشرة سنة إذ إن روما كانت جمهورية آنذاك فكان ديمقراطياً بتصرفاته، يحب مجالس الفلاسفة، واعتنق من المذاهب الفلسفية المنتشرة آنذاك (الرواقية) نسبة إلى زينون الرواقي ثم تحول إلى الأبيقورية بتأثير من الفيلسوف السوري اللاذقاني (فيلونيدس) ونتيجة ًلتأثره بهذين المذهبين تكونت لديه طباع خاصة جعلت المؤرخين يصفونه بالغرابة والخروج عن المألوف. أما المؤرخون اليهود والمسيحيون المتشددون فيما بعد فقد أساؤوا له بسيرته لأنه اضطهد اليهود.. وكمثال على ذلك نورد ما كتبه عنه بوليب (POLYBIUS) الذي كان معاصراً له: (كان يحب العزلة عن قصره وأعوانه، فيطوف هنا وهناك في المدينة مصحوباً بخادم أو خادمين فقط، وكان كثير التردد إلى حوانيت الصاغة الذين يصنعون الحلي الفضية والذهبية مكثراً البحث مع الحفارين والنقاشين مبدياً ولعه بصناعتهم. وكان يود مخالطة سفلة القوم (عامة الشعب بلغة هذه الأيام) ومحادثتهم ويأكل ويشرب مع ضيوفهم متطفلاً على موائدهم وإذا علم أن بعض الشبان التأموا في موضع للهو باغتَهم بحضوره بينهم. وكان أكثرهم يفرّ منه، وكان يخلع ملابسه الملكية ويتدثر بالوشاح الروماني فيأخذ بيد بعض السفلة ويعانق غيرهم ويسألهم أن ينتخبوه لمقام في مملكته فإذا حاز الانتخاب استوى على كرسي من عاج على عادة الرومانيين وسمع الدعاوي متأنياً وأبدى الرصانة والعناية في أحكامه حتى حار فيه العقلاء فكان بعضهم يحسبه ساذجاً وبعضهم ممسوساً. وكان تنويله الهبات للناس فيهب بعضهم عظيمات وبعضهم ثمراً وبعضهم ذهباً ويكرم أحياناً من لم يعرفـْهم ولم يرَهم وكان يستحم في الحمامات التي يستحم بها عامة الناس وعند تكاثرهم فيها) ووصفه آخرون بأنه كان مولعاً بالشرب مبغضاً للوجاء قاسيا مثل نيرون.. إن هذا الوصف بمقياس ذلك الزمان كان قدحاً وذماً لكننا اليوم قد نجد فيه بعض المديح .
الحرب السورية السادسة:
كانت كليوباترا الأولى أخت أنطيوخوس وصية على ابنها القاصر في مصر بعد وفاة زوجها بطليموس أبيفانيوس وقد أحسنت إدارة أمور البلاد، وكانت علاقتها جيدة مع أخيها في الشمال لكنها توفيت عام 173 ق م فعهد بالحكم إلى ليناي وهو نبيل من أصل سوري من طبقة الأشراف وعهد بتربية الملك إلى الخصي (أولاي) وما إن تمكن المذكورون من منصبيهما حتى طالبا ملك سوريا أنطيوخوس بإعادة فلسطين وسوريا المجوفة إلى مصر بحجة أنها كانت من حصة مصر عند اقتسام تركة الإسكندر وأنَّ والده أنطيوخوس الكبير هو من اغتصبها ثم قدمها مهراً لابنته.. أما أنطيوخوس الرابع فكان يجيب: إن المنطقة المذكورة جزء من سوريا بالأساس ولا يجوز التخلي عنها، وإنها كانت من حصة جده لكن بطليموس اغتصبها عندما كان سلوقس منشغلاً في الأناضول، وإن أباه استردها بحق لكنه وعد بها مهراً لابنته عند زواجها من ملك مصر من قبيل كفّ شر المصريين مؤقتاً حتى يستطيع الوقوف مرتاحاً في مواجهة الرومان في الشمال وهذه الهبة باطلة لأنها تمّت تحت الضغط... وعندما كانت المراسلات في هذا الشأن على قدم وساق احتفل المصريون ببلوغ ملكهم الخامسة عشرة وهو موعد تتويجه فأرسل أنطيوخوس الرابع أبولونيوس أحد كبار أعوانه إلى مصر للتهنئة والتقصي عن نوايا المصريين.. ولما عاد الرسول أبلغ سيده: إن الأمر جدي وإن المصريين يستعدون للحرب وعندها حزم أنطيوخوس أمره وقرر أن يأخذ المبادرة فسار بجيشه إلى يافا ثم توجه إلى الجنوب لتحصين ثغور سوريا الجنوبية وأرسل أبولونيوس إلى روما لتسليم قسط الغرامة وليعتذر عن التأخير وحمّله ببعض الهدايا لأصدقائه من شيوخ روما التي مكث فيها ثلاث عشرة سنة عندما كان رهينة وليبلغهم محبته وإخلاصه في صداقتهم التي بُنيت عندما أحسنوا معاملته عندما كان في ضيافتهم. ولما عاد أبولونيوس ناجحاً في مهمته اطمأن أنطيوخوس إلى صداقة الرومان قرر عدم الانتظار حتى يخرج المصريون إليه فسار جنوباً وفي الوقت نفسه أرسل وفداً إلى روما لطمأنتها أن الحرب محدودة.. التقى الجيشان في جبل قاسيون الذي في سيناء قبل (فرما) وهي بور سعيد حالياً وكان اسمها آنذاك (بلوزيون) ونشبت المعركة في 171 ق م فكان نصراً سهلاً لأنطيوخوس، إذ بسقوط حصن بلوزيون (بور سعيد) فتحت أمامه أبواب مصر على مصراعيها، لكن أنطيوخوس ولسبب غير معروف اكتفى باحتلال بوابة مصر (بور سعيد) وانسحب شمالاً وبذلك اقتصرت نتيجه الحملة على تحصين الحدود الجنوبية لسوريا والقضاء على أحلام المصريين..
عاد أنطيوخوس الرابع إلى صور ليقضي فصل الشتاء لكن في ربيع 170 ق م تبلغ أنَّ المصريين يستعدون للانتقام فتوجه فوراً جنوباً وسيّر أسطوله الصغير لمناورة أسطول مصر فانتصر ثانية بسهولة وانكسر الجيش المصري... وفي بادرة سياسية ذكية أعطى أنطيوخوس تعليمات مشددة لجيشه بعدم قتل الجنود المصريين المنهزمين وعدم التعرض للأهالي مما أراح المصريين بشكل عام وشجع الجنود على الاستسلام فما كان الجيش السوري يدخل مدينة مصرية حتى يخرج أهلها مرحبين مستسلمين.
توجه أنطيوخوس إلى ممفيس عاصمة مصر القديمة ودخلها فاتحاً وبذلك سقطت مصر بأكملها (ما عدا الإسكندرية) بيد أنطيوخوس فاستطاع بنصره هذا أن يسجل سابقة لم يستطع أحد من أجداده فعلها.
وفي روايتين مختلفتين للمؤرخين تفيد إحداها بأن بطليموس ملك مصر لما رأى حلم أنطيوخوس وتسامحه مع الأهالي ذهب طوعاً إليه ورواية أخرى تقول إنه وقع أسيراً بأيدي السفن السورية التي كانت تحاصر الإسكندرية عندما كان يحاول الفرار لكن بغضّ النظر عن طريقة لقاء الملكين فقد أحسن أنطيوخس ضيافة ابن أخته ملك مصر وعامله معاملة الملوك وجعله يأكل على مائدته أمام الملأ...
لما سمع أهل الإسكندرية التي لم تستسلم بأن ملكهم يمكث في ضيافة أنطيوخوس ويأكل معه ويسامره في مجلسه اعتبروه أسيراً لدى السوريين مسلوبَ الإرادة فقاموا بتنصيب أخيه الصغير القاصر ملكاً عليهم وسموه بطليموس أوراجات (المحسن) وعاد الأوصياء إلى الحكم والتحكم كسابق عهدهم.
لما علم أنطيوخوس بأن المصريين (أهل الإسكندرية) نصبوا بطليموس أوراجات بدل أخية بطليموس فيلوماتور الذي كان بضيافته استاء كثيراً وسار بجيشه باتجاه الإسكندرية لإخضاعها. أما المصريون فقرروا بعد الدراسة والتشاور عدم الاشتباك مع السوريين والسعي للصلح ليقينهم بالخسارة، فطلبوا من سفراء اليونان والدول الذين في الإسكندرية التوسط لدى أنطيوخوس بالعودة عن مقصده فذهب القناصل إلى أنطيوخوس مع مفوضين من قبل حكومة مصر، ولما مثلوا أمامه واستفاضوا في الكلام عن السلام ومحاسنه أبرز لهم ما يثبت صحة حقه بفلسطين وسوريا المجوفة هذين الإقليمين اللذين تطمع بهما الإدارة المصرية ولم تتوانَ لحظة عن المطالبة بهما وتعدّ العدد للعودة إليهما، فأقر الوفد له بحقه وعندها أرجأ أنطيوخوس الكلام بشروط الصلح وأكمل طريقه لحصار الإسكندرية.. ولما رأى بطليموس أوراجات وأخته كليوباترا الثانية الجيش السوري مِن على الأسوار سارعوا إلى إرسال وفد إلى روما لطلب النجدة والحماية منها.
مثلَ الوفد المصري أمام رجال الندوة في روما (مجلس الشيوخ) وكانوا يلبسون ثياب الحداد وقال المفوض بالكلام منهم: إن جميع شعوب الأرض تعترف بسلطة روما عليها بما فيهم أنطيوخوس فإذا تبلغ هذا الأخير عدم رضى روما عن محاربته مصر فإنه حتماً سينسحب وإذا لم تفعل روما ذلك فلن يكون أمام ملك مصر وأخته إلا الفرار واللجوء إلى روما، ولن يكون من اللائق أن يقال إنَّ روما لم تنجد حلفاءها في وقت الضيق. فتأثر الشيوخ بكلام الخطيب المصري وتوافق طلب النجدة مع رغبتهم الثابتة بعدم عودة السوريين إلى ساحة الأقوياء فقرروا إرسال وفد لأنطيوخوس وبطليموس وتهديدهما بأن من يتسبب في الحرب سيكون عدواً لروما.
عندما كان الوفد المصري يناشد مجلس الشيوخ في روما كان أمام أنطيوخوس وفد من حكومة جزيرة رودس يتوسطونه في الصلح فأبلغهم أنطيوخوس: إن الحرب سببها إزاحة بطليموس فيلوماتر عن العرش وإن الحكم يجب أن يكون لأكبر الأخوين، وباختصار إذا أعاد المصريون بطليموس فيلوماتر إلى الحكم ستزول أسباب الحرب ويعود هو إلى سوريا. 
وبعد فترة قصيرة ترك أنطيوخوس ابن اخته بطليموس الملك المخلوع في مصر وانسحب عائداً إلى سوريا ولم يذكر المؤرخون سبباً واضحاً لهذا الانسحاب إلا أن بعض الدراسات الحديثة والتحليلات تفيد بأن اضطرابات داخلية حصلت في فلسطين افتعلها اليهود وبعض القبائل المشايعة للمصريين كانت السبب في انسحابه الفجائي، أو أنه كان يعدّ لحملة باتجاه الشرق لتعزيز قواه العسكرية وخزينته، أو أن رسالة من روما جعلته ينسحب بهذه الصورةالمفاجئة.. لكن بغض النظر عن الأسباب كان قد عين ولاة وحكاماً موالين له ولبطليموس الخامس المخلوع في أغلب المدن التي افتتحها في مصر وترك حامية عسكرية في (بلوزيون) بور سعيد.
أنطيوخوس يعاقب اليهود وينهب المعبد:
كما قلنا إن أنطيوخوس كان متأثراً بالفلسفة الرواقية ثم انتقل إلى الأبيقورية وكلتا الفلسفتين تتناقضان تماماً مع فلسفة أو دين اليهود الحرفي المتزمت وكان أنطيوخوس متحمساً لنشر عقيدته في أرجاء مملكته كلها ومن الطبيعي أن يكون اليهود عقبة ًأمامه في هذا المجال إلا أن بعض الشباب المتحضر من اليهود من سكان أورشليم تحمسوا للفكر الجديد وأعربوا لأنطيوخوس عن تأييدهم له ورغبتهم في نشر الفكر الهيليني بين صفوف ملتهم وقد ورد في التوراة: المكابيين 1 (1 – 11 ) (وَخَرَجَتْ مِنْهُمْ جُرْثُومَة ٌ أَثِيمَة ٌ، هِيَ أَنْطِيُوكُسُ الشَّهِيرُ ابْنُ أَنْطُيُوكُسَ الْمَلِكِ، وَكَانَ رَهِينَة ً فِي رُومِيَةَ، وَمَلَكَ فِي السَّنَةِ الْمِئَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالثَّلاَثِينَ مِنْ دَوْلَةِ الْيُونَانِ. وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ خَرَجَ مِنْ إِسْرَائِيلَ أَبْنَاءٌ مُنَافِقُونَ، فَأغْرَوْا كَثِيرِينَ قَائِلِينَ: هَلُمَّ نَعْقِدْ عَهْداً مَعَ الأُمَمِ حوْلَنَا فَإِنَا مُنْذُ انْفَصَلْنَا عَنْهُمْ لَحِقَتْنَا شُرُورٌ كَثِيرَةٌ) .
أمدّ أنطيوخوس الشباب المتحمس للاندماج بالدعم المادي والمعنوي فأقاموا مدرسة في أورشليم لتعليم الفلسفة الأبيقورية والرواقية وكان من رواد المدرسة شاب اسمه يشوع فبدل اسمه ليصبح ياسون وهو اسم يوناني وطلب من الملك أن يتولى رئاسة الأحبار بدل أخيه أونيا ووعد الملك بزيادة المبالغ التي سيدفعها للحزينة سنوياً فأجابه الملك على طلبه وعيَّنه رئيساً لأحبار اليهود وفعلاً بدأ ياسون بتفعيل عملية إدماج اليهود بالمجتمع فأبطل ضرائب الشريعة وسمح بل شجع التزاوج من الغير، وشجع الشباب على التخلي عن ثيابهم وأزيائهم التقليدية وبدأت مظاهر اليهودية بالزوال حتى إنَّ ياسون نفسه شارك في تقدمة الذبائح لمعبد هركليس في مهرجانات صور التي كانت تقام كل خمس سنوات. لكنَّ صراعاً على السلطة نشب مجدداً بين اليهود فتولى شؤونَ اليهود شابٌ آخر اسمه منلاوس الذي أقال ياسون وطرده إلى شرق الأردن وبحسب المؤرخين اليهود كان منلاوس فاسداً مفسداً أساء إلى شعبه كثيراً وحاول القضاء على كل تقليد يهودي مما أثار في نفوسهم الحقد والضغينة ضد الملك
عام 170 ق م انتشرت بين اليهود شائعة أن أنطيوخوس قد قتل في مصر فعمت مظاهر الفرح والسرور عند المتشددين وثاروا على ولاتهم وكهنتهم الموالين للملك وهاجموا مراكز الثقافة والفكر (الوثني) فلما سمع أنطيوخوس بالأمر سار بفرقةٍ من جيشه وأمرهم بالقضاء على الثوار دون رحمة وكان دليله عليهم منلاووس فقضى على ثمانين ألف منهم في ثلاثة أيام فقط وبيع في أسواق العبيد عددٌ مماثل، ونهب كنوز الهيكل التي قدرت بألف وثمانمئة قنطار من الفضة والذهب. ورغم المبالغة الواضحة في رواية المؤرخين الموالين للفكر اليهودي فإن هذه الصورة تعطينا فكرة عن عنف الضربة التي وجهها أنطيوخوس لليهود والتي أدت فيما بعد إلى نشوب الثورة المكابية.
أنطيوخوس يحتل مصر ثانية:
لم يكد أنطيوخوس يخرج من مصر حتى تصالح البطليموسان وأختهما كليوباترا الثانية واتفقا أن يتربع الثلاثة على عرش مصر ويحكموا البلد شراكة.. لم يعجب هذا الاتفاق أنطيوخوس فعاد في ربيع سنة 168 ق م وأمر جيوشه بالتقدم تجاه الإسكندرية. ولما كان ملوك مصر عاجزين عن المواجهة فقد أرسلوا يسألونه عن مطالبه فربما استطاعوا تسليمه سِلماً ما يريده بالحرب وأعربوا له عن عدم رغبتهم في المواجهة فأفادهم بأنه لن يسحب جيشه وأسطوله إلا بعد الاعتراف له بجزيرة قبرص والإقليم المجاور لفرع النيل الشرقي، وحدد لهم مهلة لتلبية طلباته. ولما لم يكن في وسع بلاط الإسكندرية الموافقة على مثل هذه المطالب، فقد أرسل استغاثة إلى روما في الوقت الذي تحرك فيه أنطيوخس باتجاه ممفيس حيث توج نفسه فرعوناً ومنها إلى الإسكندرية التي ضرب عليها الحصار.
ورداً على استغاثة الإسكندرية قرر مجلس الشيوخ الروماني إيفاد بعثة برئاسة (بوبيليوس لايناس) لإبلاغ أنطيوخس مطالبهم القاضية بالانسحاب الفوري من مصر، وفي ضاحية قريبة من الإسكندرية حدثت المقابلة المشهورة بين أنطيوخس ولايناس الروماني، فعندما مدَّ أنطيوخس يده للسفير الروماني الذي كان يعرفه سابقاً عندما كان في روما لم يقابله السفير بالمثل بل وضع في يده رسالة مجلس الشيوخ وطلب إليه أن يقرأها، وعندما قرأ أنطيوخس الرسالة أعلن بأنه يطلب مهلة للتشاور مع حاشيته (حسب قاعدة البلاط السوري في العصر الهيلنستي) فلم يكن من السفير الروماني إلا أن خطّ بعصا كانت في يده دائرة حول الملك وطلب إليه أن يرد على الرسالة قبل أن يخطو خارج تلك الدائرة، فاستاء أنطيوخس من هذا المسلك الغريب وتردد لحظة ثم أعلن أنه يوافق على ما جاء في الرسالة، وعندئذ حيّا السفير وأعضاء الوفد الملك تحية ودية، وبدأ أنطيوخس بإصدار أوامره للانسحاب من قبرص ومصر.
أنطيوخوس يخيّر اليهود بين الاندماج والموت..
التفتَ أنطوخوس في طرق عودته من مصر إلى اليهود الذين كانوا لا يخفون تعاطفهم مع ملوك مصر وعدائهم له، خصوصاً الذين يرفضون الاندماج مع مجتمعهم الكبير فأرسل رئيس الجباة أبولونيوس على رأس عشرين ألف جندي لاحتلال أورشليم والقضاء على كل متشدد يهودي فيها وفعلاً لما وصل إلى مشارفها انتظر يوم السبت وهو يوم عطلة اليهود ثم هاجمها واحتلها وأهلكَ خلقاً كثيراً على ما ورد في التوراة (مكابيين 2/ 5 – 24 ) وهدم سورها القديم وبنى حولها سوراً جديداً متيناً وجعلها قلعة حصينة لها أبراج دفاعية واستقدم مواطنين من شتى الملل وأسكنهم فيها فهرب جميع المتشددين إلى الجبال والمغاور وبقيت القدس خارجة عن أي نوع من أنواع السلطة اليهودية حتى 143 ق م حين احتلها سمعان المكابي اليهودي
لما انتصر أنطيوخوس على المتشددين اليهود أصدر أمراً خطياً إلى شعوب سوريا كافة وهو كما ورد في التوراة سفر المكابيين الأول 1 - 43 : 
(وَكَتَبَ الْمَلِكُ أَنْطِيُوكُسُ إِلَى مَمْلَكَتِهِ كُلِّهَا بِأَنْ يَكُونُوا جَمِيعُهُمْ شَعْباً وَاحِداً، وَيَتْرُكُوا كُلُّ وَاحِدٍ سُنَنَهُ. فَأَذْعَنَتِ الأُمَمُ بِأَسْرِهَا لِكَلاَمِ الْمَلِكِ.  وَكَثِيرُونَ مِنْ إِسْرَائِيلَ ارْتَضَوْا دِينَهُ، وَذَبَحُوا لِلأَصْنَامِ، وَدَنَّسُوا السَّبْتَ. وَأَنْفَذَ الْمَلِكُ كُتُباً عَلَى أَيْدِي رُسُلٍ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَمُدُنِ يَهُوذَا، أَنْ يَتْبَعُوا سُنَنَ الأَجَانِبِ فِي الأَرْضِ. وَيَمْتَنِعُوا عَنِ الْمُحْرَقَاتِ وَالذَّبِيحَةِ وَالسَّكِيبِ فِي الْمَقْدِسِ - وَيُدَنِّسُوا السُّبُوتَ وَالأَعْيَادَ،- وَيُنَجِّسُوا الْمَقَادِسَ وَالْقِدِّيسِينَ، وَيَبْتَنُوا مَذَابِحَ وَهَيَاكِلَ وَمَعَابِدَ لِلأَصْنَامِ وَيَذْبَحُوا الْخَنَازِيرَ وَالْحَيَوَانَاتِ النَّجِسَةَ، وَيَتْرُكُوا بَنِيهِمْ قُلْفاً، وَيُقَذِّرُوا نُفُوسَهُمْ بِكُلِّ نَجَاسَةٍ وَرِجْسٍ، حَتَّى يَنْسَوُا الشَّرِيعَةَ وَيُغَيِّرُوا جَمِيعَ الأَحْكَامِ. وَمَنْ لاَ يَعْمَلْ بِمُقْتَضَى كَلاَمِ الْمَلِكِ يُقْتَلْ.)
وتقول التوراة إنه في شهر كانون الأول من سنة 168 ق م بنى أنطيوخوس مذبحاً للأصنام على مذبح المحرقات في هيكل أورشليم. وقدموا عليه الذبائح للأصنام كما أشارت التوراة أن أنطيوخوس كلف عناصر من جنده لمراقبة حسن تنفيذ عملية الاندماج فمنعوا ختان الأولاد وعاقبوا الأمهات اللواتي يحملن طفلاً مختوناً، وأكرهوا الرجال على أكل لحم الخنزير وخصصت التوراة فصلاً كاملاً يحكي قصة ألعازر (وهو من علماء السنّة) والأخوة السبعة المكابيين وكيف فضلوا الموت وماتوا فعلاً قبل أن يبتلعوا لحم الخنزير الذي كان يوضع قسراً في فمهم.
لكن هذا الإكراه في التخلي عما يفرق أبناء الأمة وهذا الأسلوب العنيف أدى إلى اندلاع ثورة بدأها أحد المتشددين من الكهنة اليهود هو متاتيا الحشموني وكان له خمسة أولاد فرّ معهم إلى الجبال فتحلق حولهم الهاربون فكانوا في بادئ الأمر عصابة يغيرون على المدن ويحرقون الخنازير ويطهرون الأولاد ويقتلون الجنود والعامة من أتباع الملك ممن ارتضوا بالاندماج.. لكن بعد فترة قصيرة تفاقمت الثورة وتحولت العصابة إلى شبه جيش تحت قيادة يهوذا الذي خلف أباه متتيا الكاهن في القيادة وأصبح هذا الجيش المتمرد يحمي مناطق معينة في فلسطين ويسيطر عليها. وكردة فعل محلية قام بعض قادة حاميات المدن والحكام كوالي السامرة بمحاولة القضاء على الثوار لكنهم فشلوا في مرامهم.. وبعد فترة وسّع الثوار دائرة نشاطهم فهاجموا بعض المدن قي شرق الأردن مما دعا تيموتاوس والي تلك المنطقة لاستئجار بعض العرب للدفاع عن ولايته لكنهم فشلوا أمام اليهود وتركوه في الميدان وهربوا إلى أحد المعابد فطاردهم اليهود وأحرقوا المعبد بمن فيه.
لا شك أن أنطيوخوس الذي كان مشغولاً في تلك الفترة بالإعداد لمهرجانات دفنا والإعداد لحملة عسكرية باتجاه الشرق لم يكن يعلم أنه في إهماله ثورة اليهود هذه سيرتكب أكبر خطأ في تاريخ سوريا التي أحبها وأرادها موحدة أرضاً وشعباً.. فبعد وفاته بعشرين سنة وفي عهد من سيتولى بعده من ملوك سيتحول هذا الجيش من المتمردين وبدعم مصري سري إلى جيش استطاع الاستيلاء على أورشليم والحصول على نوع من أنواع الحكم الذاتي لشبه دولة سميت في الفهارس بالدولة المكابية[3] الحشمونية نسبة إلى حشمون قرية متاتيا.

وهنا لا بد أن نشير إلى أن المكابيين لم يكونوا مستقلين كما يدعي اليهود اليوم بدلالة ما ورد في سفر المكابيين الأول فالملك السوري هو من كان يعين ويعطي الشرعية للحبر الأعظم (مك1 – 11 27/ ) و(مك1 – 11 /57 ) وهو من سمح لليهود بضرب نقود خاصة بهم [و قد أبحت لك أن تضرب في بلادك سكة خاصة (مك1- 15 – 6 )] وكانت نقودهم خالية من الصور مزينة بأشكال نباتية لأن اليهود يحرمون الصور البشرية على النقود لشبهها بالأصنام

قطعة نقود مكابية حشمونية وعليها الكلام بالأحرف اليونانية وهي خالية من الصور لتحريم اليهود الصور والتماثيل
احتفالات منتجعات دفنا قرب أنطاكيا:
لا نستطيع ونحن في مجال سرد سيرة هذا الملك أن نغفل ذكر أكبر احتفالات أو مهرجانات العصر التي نظمها هذا الملك بنفسه بعد خروجه من مصر
فبالرغم من تلك الصدمة المعنوية التي ألحقتها روما بأنطيوخس في مصر، فقد كان وضعه من النواحي السياسية والعسكرية والاقتصادية قوياً لدرجة أنه قرر الرد على الاحتفال الكبير الذي أقامته روما سنة 167ق.م في مدينة أمفيبوليس اليونانية بمناسبة انتصارهم وقهر مقدونية بإقامة احتفال في ضاحية دفنة (بالقرب من أنطاكيا) يضاهي احتفال الرومان عظمة وفخامة. وتزودنا مصادر التاريخ بتفصيلات عن المهرجانات الرائعة التي استُهلت باستعراض عسكري شارك فيه عشرات الآلاف من الجنود من قوميات مختلفة وقد تدرعوا بالدروع الذهبية والفضية الرائعة، وقد ركب بعضهم أجمل الخيول المطهمة والمزينة، ومن خلف هؤلاء مشت فرق الخيالة من سكوثية والأفيال الهندية والمصارعون، ثم تلت هؤلاء مواكب من رجال مدنيين يحملون تيجاناً ذهبية، وألفاً من الثيران التي أعدت للتضحية وثلاثمئة بعثة دبلوماسية من مدن المتوسط ، ثم عرض خاص لأنياب الأفيال، وتماثيل لكافة الآلهة وأنصاف الآلهة ذهبية أو مطلية بالذهب، وأواني رائعة، ونساء متزينات يرششن العطور من زجاجات ذهبية أو محمولات بواسطة محفات لها أرجل مذهبة. وقد تضمنت الاحتفالات التي استمرت شهراً إقامة الألعاب الرياضية ومشاهد المصارعين المحترفين وعراك الحيوانات المتوحشة، كما خصصت بعض الأوقات لكي يجري الخمر في مصدر الماء الرئيسي في مدينة أنطاكية ليشرب منه كل الناس.
كما يؤكد المؤرخون ويركزون على أن أنطيوخس كان يشارك بصورة فعالة جداً في تنظيم الاحتفالات والإعداد لها، فكان يُشاهد تارة يرحب بالضيوف، وأخرى يصدر أوامره التنظيمية، وثالثة يلقي النكات، وأخرى يشارك بالرقصات العامة. ويبدو أن أنطيوخس كان يبغي إدهاش الوفد الروماني برئاسة (تيبريوس سمبرنيوس كراكخوس) الذي عومل بأمر من الملك السوري معاملة ملكية، فوضع القصر الملكي تحت تصرف الوفد وأحاط جميع أعضائه برعاية لم يكن يحظ بها إلا الملوك.
نهاية أنطيوخوس الرابع:
في نهاية 164 ق م وعندما كان أنطيوخوس يقود حملته في الشرق بالقرب من أصفهان شعر بأن المرض لن يبقيه حياً طويلاً فأعلن ابنه أنطيوخوس القاصر ولياً للعهد وأوصى أن يتولى الوصاية عليه أحد قادته الذين كانوا برفقته في حملته ويدعى (فيليب)، لكنه لم يصدر أمراً ينهي فيه مهمة لوسياس الذي كان المشرف والوصي الفعلي على الملك الطفل في العاصمة أنطاكيا مما سبّب خلافاً تحول إلى صراع بين الوصيين بعد وفاته.

توفي أنطيوخوس الرابع عام 164 ق م بعد أن حكم 11 سنة كانت مليئة بالأحداث أهمها احتلال مصر وإنهاء أحلامهم في سوريا المجوفة وفلسطين وتثبيت هوية فلسطين ومدن الساحل وفي عهده وبسبب دعوته الفلسفية نشأت عند اليهود مذاهب وطوائف ما زالت مستمرة في خلافاتها حتى اليوم وبالمقابل تم في عهده وبسبب عنفه الزائد التأسيس لقيام كيان يهودي ذي حكم شبه ذاتي في شؤونه الداخلية سيصبح بواسطة الدعم المصري شوكة في خاصرة سوريا تتراوح قوتها في مد وجزر إلى أن يزيلها الرومان نهائياً من الوجود عام 70 م

 

 

 

[1] - في وصفٍ لأحد المؤرخين للغال يقول: يتصف الغال بأجسام ضخمة عارية أحياناً ومستورة أحياناً أخرى برداء غريب له ألوان متعددة، ويتحلى الغال بالعقود والأساور الذهبية يثبتون شعورهم بواسطة شحوم الحيوانات ويرفعونها حتى تقف بشكل غريب فوق رؤوسهم، ويحملون في الحرب دروعاً تستر معظم أجسادهم وسيوفاً طويلة تكاد تكون أطول من الرماح الإغريقية، كما كانت رؤوس حرابهم أضخم من السيوف المعاصرة، أصواتهم جهورية وشجاعتهم مفرطة إلى حد تجعلهم لا يحسون بالجروح التي تصيبهم، ويبدو أن ذلك بسبب شدة غرامهم بشرب الخمر. وتؤكد جميع المصادر على أن الغال عاثوا في المناطق التي اكتسحوها فساداً لا يمكن أن يرقى إليه أي فساد وتخريب عرفته البشرية قبل ذلك التاريخ.
[2] تم تحديد المبلغ في المعاهدة بـ  (15000 EUBOIC SILVER TALENT  ) والتالنت الفضي يعادل أجرة تسعة رجال مهرة في السنة وأجرة 6000 مقاتل مرتزق في اليوم وقدر أحد الباحثين قيمته الشرائية عام 2004 بـ 20000 $ عندما كان غرام الذهب بـ 600 ل س
[3] المكابيون :هناك عدة احتمالات لتفسير معنى مكابي : 1– مشتق من كلمة كابا ومعناها بالعبرية (أباد وأتلف) نظراً لأنهم كانوا يبيدون أعداء الرب.. 2– مشتق من مخابي ومعناها الجراح والضربات لأنهم كانوا يضربون باسم الله.. 3– مشتق من مخابا: ومعناها مخبأ لأنهم كانوا يختبؤن في المغاور. 4– كانوا يضعون على أعلامهم وتروسهم أربعة أحرف م ك ب ي تبتدئ بها أربعة كلمات معناها بالعبرية (من مثل الرب بين الآلهة)

 


 

 

المواضيع المرتبطة
مقالات تاريخية


إضاءة جديدة على اسم ( سوريا )

الأباطرة الحمصيون في روما

أيها التاريخ هل أحكامك دوماً منصفة؟ 2

أيها التاريخ هل أحكامك دوماً منصفة ؟

كليوباترا السورية

ماني والمانوية ( الزندقة )

بصمات الملك السوري أنطيوخوس إيبيفانس في تاريخ سوريا


مقالات عن سوريا


شيء عن سوريا

صور وثائق المؤتمر السوري العام

السيدة نازك العابد

سد خربقة 2000 عام ومازال صامداً



"سلسلة ملوك سوريا" | دخول/تسجيل عضو | 0 تعليقات
التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.

التعليق غير مسموح للضيوف, الرجاء التسجيل
 

دخول

الكنية

كلمة المرور

لم تسجل بعد؟ تستطيع التسجيل. بعد التسجيل يمكنك تغيير شكل الموقع, والتحكم في التعليقات وإرسال تعليقات بإسمك.

روابط ذات صلة

· زيادة حول مقالات عن سوريا
· الأخبار بواسطة m.semaan


أكثر مقال قراءة عن مقالات عن سوريا:
السيدة نازك العابد

تقييم المقال

المعدل: 5
تصويتات: 1


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

خيارات


 صفحة للطباعة صفحة للطباعة






انشاء الصفحة: 1.56 ثانية
صفحات اخرى في الموقع: مناطق ونواحي وقرى ومزارع محافظة حمص | ماني والمانوية ( الزندقة ) | الدين والفلسفة الاجتماعية | سد خربقة 2000 عام ومازال صامداً | الأربعاء في حمص | أسماء المحافظين الذين توالوا على إدارة محافظة حمص ..! | نظرة من خارج السرب هل الديمقراطية العددية مفيدة لمجتمعنا | حِمص أم حُمص | الحزب في سطور | الفصل السّادس : نشوء الدّولة وتطوّرها | مدار الخلاف بين المسيحية والمحمدية 2 | الجهل المُطبق | أيها التاريخ هل أحكامك دوماً منصفة ؟ | العُروبة الدّينية والدّعاوات الأجنبيّة | نصوص المحمديّة كدولة | لماذا العراق ..؟ | ولم يتمكن منه المنافقون | باب أي حارة يقصدون | رسالة من حنان الله إلى نصر الله | حاربنا العروبة الوهمية لنقيم العروبة الواقعية | أعراض الجوية شاذة في تاريخ مدينة حمص | مدار الخلاف بين المحمدية والمسيحية | الحزب السوري القومي الاجتماعي أسباب نشأته | المحاضرة التاسعة | العُروبة كقوّة إذاعيَّة للمطامع السّيَاسية الفردية | قاموع الهرمل | الضلال البعيد | أيتها الشبيبة السورية الى الأمام | كليوباترا السورية | مبادىء أساية بالتربية القومية | قضية ضريح الخليفة عمر بن عبد العزيز | كتاب الاسلام في رسالتيه | حياة الزعيم | كتاب المحاضرات العشر | مقدمة نشوء الأمم | إحتفال حاشد لمنفذية الغرب بالأول من آذار في بيصور | أغراض الدين واختلاف المذاهب | الفصل الرّابع : الاجتماع البشريّ | الفصل الثّالث : الأرض وجغرافيتها | بين الجمود والارتقاء | بعد خمسة آلاف عام أعاد العراق استغاثته | الأباطرة الحمصيون في روما | المحاضرة العاشرة | كتاب نشوء الأمم | الفصل السّابع : الإثم الكنعانيّ | المحاضرة الرابعة | حياة الزعيم أنطون سعادة بقلم الأمين بشير موصلي | تدمر وحمص أو حمص دون تدمر | خرقاء ذات نيفة | أيها التاريخ هل أحكامك دوماً منصفة؟ 2 |
[ المزيد من الصفحات ]