المديريات

مديرية صدد

القائمة الرئيسية

 الصفحة الأولى

 عقيدتنا
· المحاضرات العشر
· نشوء الأمم
· الاسلام في رسالتيه
· مقالات في العقيدة

 مقالات مختارة
· تاريخية
· ساسية
· اجتماعية
· من الأصدقاء
· مقالات عن حمص
· مقالات عن سوريا
· مقالات عن الحزب

 معرض الصور
· صور من أحياء حمص القديمة
· صور من الأرشيف لحمص
· صور حديثة لحمص
· صور من المديريات

 معرض الفيديو

 متحف حمص
· صور لتحف حمص
· وثائق من حمص

 الأخبار
· أخبار حمص
· أخبار الأمة
· أخبار منفذية حمص
· أخبار الحزب السوري القومي الاجتماعي

 للاتصال بنا
· للاتصال بنا
· للتعريف بنا
· لارسال خبر

 أرشيف
· أرشيف المقالات

 خريطة الموقع
· خريطة الموقع

من صور المعرض

جامع الدالاتي ـ شارع الحميدية
جامع الدالاتي ـ شارع ...

ساحة الساعة الجديدة 1 ـ حمص
ساحة الساعة الجديدة ...

شارع عبدالحميد الدروبي ، بقايا دار آل الدروبي
شارع عبدالحميد الدرو ...

معرض الصور

عداد الموقع

تم استعراض
3047342
صفحة للعرض منذ 1 أذار 2009

من يتصفح الأن

يوجد حاليا, ضيف/ضيوف عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

بصمات الملك السوري أنطيوخوس إيبيفانس في تاريخ سوريا
أرسلت بواسطة m.semaan في الأربعاء 11 شباط 2015
مقالات تاريخية

مقالات تاريخية

  بقلم المهندس والباحث التاريخي: نهاد سمعان

 

إنه لمن المؤسف حقاً ألا يعرف كثيرون من ابناء سوريا اليوم شيئاً عن تلك الفترة الممتدة بين دخول الاسكندر 333 ق م ودخول الرومان العام 64 ق م أو عمن يسمون في التاريخ العالمي ( ملوك سوريا ) الذين حكموا في تلك الفترة

إنها من أهم فترات تاريخ سوريا إثارة ففي هذه الفترة وضعت بصمات ما زالت واضحة على جبين سوريا حتى اليوم وما زالت واضحة في روح وشكل هذا المزيج الراقي الذي يسمى اليوم السوريون ....في تلك الفترة تغير وجه التاريخ ومفرداته مرتين سنلحظهما جلياً في السياق .. 

إن أمة لا تعرف تاريخها لايمكن أن تعرف هويتها وبالتالي هي أمة عمياء كالولد اليتمي الذي لا يعرف أبوية يتيمة تائهة لا تستطيع أن تصنع مستقبلها فتبقى مسيّرة .. منفعلة .. غير فاعلة . وقد يُصنع لها مستقبلها وحاضرها في مطابخ أعدائها دون أن تدرك ذلك

صدقوني عندما تتعرفون إلى حقيقتكم سترتاحون نفسياً وتتضح رؤيتكم وترون طريق نهضتكم الصحيح بوضوح

لنبدأ أولاً بالتعريف بهؤلاء الملوك .  

في سابقة فريدة في التاريخ أمر الإسكندر المقدوني الكبير ( ذو القرنين ) جيشه وقادته بعدم العودة إلى بلادهم والبقاء في البلاد التي فتحوها والتزاوج من نسائها .وإنجاب جيل هجين يكون أخواله من السكان المحليين فيصبح هذا الجيل من حكام المستقبل صلة وصل ومحبة بين الفاتحين وأبناء البلد .

 



 دراسات كثيرة تناولت هذا الحدث الفريد واسبابه ونتائجه وما إذا كان الاسكندر قد قام بهذا الفعل عن قصد ودراية بتلك النتائج أم إن هذا بدون قصد محدد كما الكثير من مفاصل التاريخ .. .وفعلاً تمّ التمازج المطلوب (بين الشرق والغرب ) لكن لم تمض عدة عقود حتى فعلت الطبيعة فعلها في الشعوب ( واتضح ان الشرق ليس شرقاً واحداً كما هي حال الغرب فهو ليس غرباً واحداً فاليونان ليسوا كالفرنسيين والفرنسيين ليسوا كالانجليز وكما الفرس ليسوا كالسوريين والسوريين ليسوا كالمصريين )  وتغلبت القوميات الناشئة من البيئات المختلفة على العرق واللغة والدين المشترك فأصبح لدينا بدل الدولة الهلنستية الواحدة عدة دول هلنستية متمايزة ، وظهر ما يعرف بالهلنستية السورية والهلنستية المصرية والهلنستية الفارسية وغيرها من البقاع التي وطئها الاسكندر ( قواسم مشتركة كثيرة بينها لكن أيضاً نقاط خلاف أساسية وجوهرية كثيرة ). وبدا واضحاً تمايز هذه الدول في العمارة والفنون بل واندلعت حروب هائلة بين الدول المتمايزة ذات الصفة الهلنستية

 

الاسكندر

توفي الإسكندر المقدوني الكبير ذو القرنين العام  323 ق م في بابل لكنه لم يكن واضحاً بشأن تحديد خلف له إذ قال : (الأقوى والأكثر أهلية ) وكانت الخيارات من خارج قادته العسكريين تنحصر بأخيه أرهيدي وابنه هرقل من برسين زوجته الأولى والجنين الذي حملت به الأميرة الفارسية روكسانا بالإضافة إلى بردكاس الذي أعطاه خاتمه قبل موته . هذه الخيارات جعلت الظروف مهيأة لنشوب صراع مرير على التركة العظيمة وفعلاً نشأت الصراعات وقتل أثناءها بردكاس سنة 321 ق م وأرهيدي سنة 317 ق م ووالدة الإسكندر سنة 316 ق م وروكسانا وابنها الذي سموه اسكندر في 311 ق م والطفل هرقل وأمه في 309 ق م وكليوباترا أخت الاسكندر سنة 301 ق م ... إذاً انتقل الحكم للقادة العسكريين

اجتمع قادة الإسكندر (العظماء الأربعة) لاقتسام تركة سيدهم عام 321 ق م في مؤتمر الجنّات الثلاث (TRIPARADISUS) في المنطقة التي تسمى اليوم جوسية الخراب قرب ربلة . (وما دير مار الياس الحي هناك إلا أحد خرائبها ) إذ كان فيها منتجعات وحمامات ورياض جميلة فآلت الأمور في البداية إلى قسمة التركة إلى أربعة أقسام بين العظماء الأربعة :

1 - أنتيباتر- اختص بمكدونيا وسائر اليونان ( الجزء الاوروبي )

2 – أنتيغونس – اختص بأسيا الصغرى  وسوريا الشمالية والغربية

3 – بطليموس – اختص بمصر وافريقيا

4 - سلوقس – اختص ببابل وما بين النهرين وفارس وحتى الهند ( سائر أنحاء المشرق )

( فقط مصر كانت محددة الحدود)

لم تمض فترة قصيرة حتى نشبت حروب بين العظماء الأربعة كل واحد منهم يريد توسيع مملكته وتسوية حدودها ويسيطر على ثغورها وكما ذكرنا لم تكن سوريا غرب الفرات ومن ضمنها فلسطين مع سلوقس في البداية بل كانت مع أنتيغونس الذي يحكم آسيا الصغرى ( الاناضول )

   لكن هدوء سلوقس وحكمته ودهاءه السياسي ودقة توقيت تغيير تحالفاته أوصلته في النهاية إلى ما كان يصبو إليه فقد ترك الطامحين من حوله يتنازعون فيما بينهم وتحالفَ مع بعضهم في فترات محددة، وعاداهم في فترات أخرى ليصبح في النهاية الحاكم الوحيد لسوريا وسائر المشرق.

طلب سلوقس من بطليموس ملك مصر المساعدة في انتزاع اجزاء سورية الغربية والجنوبية الغربية من انتيغونس لضمها إلى ملكه فتحالفا وتغلبا على أنتيغونس في موقعتين كانت الأولى في غزّة في العام 312 ق م والثانية وهي الحاسمة كانت في (   IPSUS في فريجيا الكبرى ) عندها استطاع سلوقس انتزاع ما كان يسيطر عليه أنتيغونس من سوريا فاكتملت المنطقة الشمالية من الفرات وحتى المتوسط بالإضافة إلى الجزء الشرقي من آسيا الصغرى وضمها إلى مملكته وبنى على العاصي مدينة أنطاكيا وسماها على اسم والده أنطيوخوس وجعلها مقراً لحكومته وبحكم سلوقس هذا ظهر إسم ( ملوك سوريا ) لأول مرة في التاريخ ( 312 ق م بدء لبتقويم السلوقي )

أما فلسطين فالظاهر ان المساعدة المصرية لم تكن مجانية على ما يبدو إذ رفض جيش بطليموس الانسحاب من فلسطين بل وضمها إلى دولته المصرية مع جزء من فينيقيا الساحلية رغم أنه لم يشارك عملياً في معركة ابسس إذ لما مالت كفة المعركة لصالح انتيغونس انسحب الجيش المصري إلى مصر وتمترس في ثغورها لكن لما لاح الانتصار لسلوقس هللو له وسارعوا بالتقدم والصعود في ربوع سورية الجنوبية والمجوفة وتشبثوا بها وتأسس في هذا السلوك للخلاف السوري المصري التي نتج عنه ستة حروب هائلة قتل فيها عشرات بل مئات الألوف من القتلى من كلا الطرفين بالإضافة إلى أن هذا الصراع إفسح المجال لليهود بالظهور على الساحة مستغلين هذا الصراع والدعم المصري لهم  ..

رسم بطليموس مصر حدود ملكه أول الامرإلى شمال أرواد إلى نهر اليوثيروس (النهر الكبير الشمالي) وجنوب حمص حتى حدود قادش،  لكن هذا الخط كان يتحرك بحسب تغير قوة الدولتين السورية والمصرية .

لقد أزيح هذا الخط إلى جنوب بيروت عام 250 ق م في فترة حكم أنطيوخوس الثاني حفيد سلوقس الأول وأزيح مرة أخرى بل أزيل تماماً ليشمل عموم سوريا في عهد أنطيوخوس الثالث الكبير الذي وحد سوريا الطبيعية بالكامل عام 197 ق. م .

 

عرس سوسة

أما في مسيرة الهلنسة والاندماج الذي أمر بها الاسكندر .فقد. كان سلوقس قد تزوج من الأميرة أفاميا (أباما) الفارسية في العرس الجماعي الكبير الذي عُقد في مدينة سوسا عام 324 ق م ( 9000 عريس ) بأمر من الاسكندر من أجل الاندماج مع الشعوب، ..وبنى 33 مدينة حديثة منها 16 مدينة تحمل اسم والده أنطيوخس (أنطاكيا) وتسعاً على اسمه (سلوقيا) وخمساً على اسم أمه لاوذوكية (لاذقية) وثلاثاً على اسم زوجته(أفاميا).بالاضافة إلى المدن أريثوسا ( الرستن ) وسيروس ( قرب النبي هوري شمالي حلب ) وغيرها ..ولم يقتصر السلوقيون على انشاء المدن الجديدة بل حولوا بعض المدن القديمة إلى مدن هلنستية وغيروا أسماءها ...فبيريتوس ( بيروت ) صارت لاوديسة .,وحماه صارت إيبيفانيا ( على شرف انطيوخوس الرابع ) وشيزر صارت لاريسا وحلب صارت بيرويا وعنجر صارت خالكيس وبيت جبرين صارت اليوثيروبوليس ومنبج هيرابوليس   وما زالت طرابلس تحتفظ باسمها الهلنستي وكذلك نابلس التي كان اسمها شكيم .. وأُطلق في تلك الفترة على المنطقة ما بين العاصي والفرات ومن ضمنها حمص اسم Parapotamia، أي شبه ما بين النهرين، وسادت في مدن سوريا آنذاك اللغة اليونانية إلى جانب الآرامية التي بقيت في الريف البعيد عن السلطة ..وكذلك فعل البطالمة المصريون في فلسطين فمدينة عكا صار اسمها بتولمايس .. ومدينة ربة عمون ( عمان ) صار اسمها فيلادلفيا ..وبيت شان بيسان صارت سكيثوبوليس .لكن المصريين كانوا اقل حماسة من السلوقيين في هلنسة البلاد التي يحكمونها مع أن الاسكندرية كانت من اعظم المدن الهلنستية في ذلك الزمان

افاميا احدى المدن الهلنستية

... قتل سلوقس ( اغتيالاً ) فنقل جثمانه إلى سلوقيا بيريا على مصب العاصي قرب أنطاكيا حيث دفن في مدفن أصبح فيما بعد مدفن السلالة السلوقية . أو ما يعرف بملوك سوريا .

إذاً سلوقس ( نيكاتور= المنتصر ) مؤسس الدولة السلوقية كان حاكماً: 312 - 305..ثم  ملكاً 305 - 280 ق م

بعد سلوقس انتقل الحكم إلى ابنه من زوجته الفارسية افاميا أنطيوخوس الأول سوتر  : 325 – 261 ق م  ( سوتر = المنقذ = المخلص ) سمي بالمنقذ لانه طوع شعوب الغال الذين كانوا يعيثون فساداً في آسيا الصغرى وكان بطل الحرب السورية الأولى بين سوريا ومصر : التي لم يعرف المنتصر فيها إذ بالرغم من وجود نصين مختلفين أحدهما بالهيروغليفية يقول بانتصار المصريين والآخر بالمسمارية يقول بنصر السوريين (الجيش البابلي على ما ورد في النص) فإنه من الثابت أن دمشق عادت إلى الحظيرة السلوقية وكذلك عنجر والمدن المحتلة في غرب كيليكيا. لكن صيدا وصور وغزة والقدس بقيت في يد المصريين.

ولأننا سنتكلم باسهاب عن المسألة اليهودية في فترة إيبيفانس لا بد لنا أن نذكر أنه في هذه الفترة التي كان بطليموس فيلادلفوس على عرش مصر كتب المؤرخون عن نشوب بعض المعارك بين المصريين والأنباط وأيضاً بين المصريين والبدو الذين كانوا في حالة توحش في شرق الأردن. وأيضاً تكلموا بإسهاب عن صداقة ملك مصر بطليموس فيلادلفوس مع اليهود إذ استقدم إلى الإسكندرية 72 كاهناً يهودياً ليترجموا التوراة إلى اللغة اليونانية ليقرأها يهود الإسكندرية الذين تأغرقوا ونسوا العبرية.. ومازالت هذه الترجمة إلى اليوم معروفة بالترجمة السبعينية نسبة إلى عدد المترجمين الذين قورنت ترجماتهم لاختيار الأصح منها.

إن صداقة بطالسة مصر مع اليهود التي بدأت في عهد بطليموس فيلاديلفوس هذا سيكون لها ذيول وآثار هامة على مسيرة الأحداث في المنطقة والصراع السوري اليهودي الذي سيتجلى واضحاً في عهد أنطيوخوس الرابع بل كان لها أثر في المعتقد اليهودي  إذ ورد :::7لاَ تَكْرَهْ أَدُومِيًّا لأَنَّهُ أَخُوكَ. لاَ تَكْرَهْ مِصْرِيًّا لأَنَّكَ كُنْتَ نَزِيلاً فِي أَرْضِهِ. 8الأَوْلاَدُ الَّذِينَ يُولَدُونَ لَهُمْ فِي الْجِيلِ الثَّالِثِ يَدْخُلُونَ مِنْهُمْ فِي جَمَاعَةِ الرَّبِّ.( تثنية 23

 

تلا انطيوخوس الاول ابنه الثاني  أنطيوخوس الثاني ثيوس ( الإله ) فكان ثالث ملوك سوريا :261-246 ق م 

أعطي لقب ثيوس ( THEOS ) ومعناها (الإله أو المؤله) بعد إنقاذه أهالي ميليتوس MILETOS  تلك المستعمرة المصرية الواقعة في غرب تركيا من حاكمها الطاغية تيمارخوس.

في زمانه حدثت أولى محاولات روما للخروج بنفوذها من شبه الجزيرة الإيطالية ( الجزمة ) والسيطرة على غرب البحر السوري (سمي هكذا قبل أن يصبح بحر الروم وفيما بعد البحر المتوسط) وذلك بما يعرف بالحرب البونية الاولى التي انتهت في 241 ق م

كان بطل الحرب السورية الثانية التي اسفرت استعادته لمدن الساحل السوري كافة حتى صيدا أي زلق حدود النفوذ المصري من أرواد حتى صيدا وفي عام 249 ق م انتزع أنطيوخوس الاعتراف الكامل بأملاكه الجديدة بمعاهدة صلح وقعها مع مصر.

 

ثم تولى الامور  سلوقس الثاني كالينيكوس ومعناها الظافر  رابع ملوك سوريا  246 – 226 ق م نودي به ملكاً على سوريا وعموم الشرق بعد مقتل أبيه في إفسس العام 246 ق م.

   إن حياة سلوقس الثاني كانت الحافلة بالهزائم التي غالباً ما كان يسعى إليها ويحدد موعدها بنفسه طيلة فترة حكمه الذي دام 20 سنة جعلت من لقبه (المنتصر أو الظافر) لقباً غير موفق واسماً لغير مسمى لقد خسر الحرب السورية الثالثة وغيرها من المعارك الثانوية لكنه في الحقيقة كان ملكاً مميزاً بل ملفتاً للنظر في قدرته على الوقوف بعد كل سقطة أوهزيمة إذ وبرغم كل حروبه ومعاركه التي لم يكن يغيب عن ميدانها لم يقتل سلوقس في أي منها بل مات بسبب سقوطه من على جواده عام 226 ق م أو في 225.

 

ثم آلت الامور إلى  سلوقس الثالث كيرونوس (كيرونوس معناها الصاعقة) خامس ملوك سوريا (226 – 223 ق م) 

   هو ابن سلوقس الثاني كان واهن العزيمة، فائل الرأي لكنه سريع الحركة عصبي المزاج فسمي بالصاعقة. حكم ثلاث سنوات لم يستطع خلالها فعل شيء يذكر بل أن ملك مصر وسع نفوذه حتى وصل إلى سلفكيا (زحلة ومعلولا) بالإضافة إلى تسلطه على مدينة سلوقيا بيريا على مصب العاصي.

 

ثم وصل الحكم إلى أنطيوخوس الثالث (ميغاس) الكبير سادس ملوك سوريا 223-187 ق م وهو الاخ الاصغر لسلوقس الثالث وكان أنذاك في الخامسة عشرة من عمره

حكم هذا الكبير ست وثلاثون سنة حافلة بالاحداث من الصعب اختصارها لكن بنفس الوقت لايمكن القفز فوقها لارتباطها بما سيحدث في زمن مليكنا انطيوخوس الرابع ولأن هذا الكبير شهد وساهم بصنع أحداث كبرى سببت تحولات استراتيجية في العالم فاختلت موازين القوى وتغير اللاعبون في الساحة الدولية وفي عهده بدأت شمس سوريا بالكسوف ..إذ ظهرت روما على الساحة الدولية تلك دولة ناشئة حديثاً التي حكمت العالم فيما بعد واخرجت سوريا من مسرح الاقوياء    

لذلك سنسرد أعماله والاحداث العظيمة في زمانه بدون تحليل اسباب ونتائج وتفاصيل

الامبراطورية السورية في عهد انطيوخوس الثالث

الحرب السورية الرابعة

في مسيرته لاستعادة فلسطين وبعد تحرير سلوقيا بيريا وماراثوس (عمريت) وكالاموس (القلمون) وبوروتوس (البترون) وانتصار الأسطول السوري على الأسطول المصري قرب مصب نهر داموروس (الدامور) احتشد في الثاني والعشرين من حزيران عام 217 ق م وبالقرب من رفح (رافيا) وقف الجيشان المصري بقيادة بطليموس الرابع فيلوباتر (PTOLEMY IV PHILOPATOR ) ومعه سبعون ألف مقاتل وخمسة آلاف فارس وثلاثة وسبعون فيلاً أفريقياً، والسوري بقيادة أنطيوخوس الثالث (ANTIOCHOS III ) ومعه اثنان وسبعون ألف مقاتل وستة آلاف فارس ومئة واثنان من الفيلة الآسيوي وبدأت المعركة الكبرى التي فصَّل ترجمتها من مصادرها الأصلية بالكثير من الإسهاب (المطران يوسف الدبس في مؤلفه تاريخ سوريا الديني والدنيوي) وكانت الغلبة فيها للجيش المصري فانسحب أنطيوخوس إلى أنطاكيا تاركاً خلفه أكثر من عشرة آلاف قتيل، وأربعة آلاف أسير.

   وقع انطيوخوس اتفاقية هدنة مدتها سنة ثم معاهدة صلح تنازل فيها أنطيوخوس عن كل فلسطين وسوريا المجوفة وفينيقيا لمصر وقد وافق بطليموس المصري على هذا الصلح بسبب فتنة داخلية اضطر بسببها للذهاب إلى مصر .وبهذه المعاهدة انتهت الحرب السورية الرابعة.

  والجدير بالذكر أنه في المفاوضات التي كانت تجري بالتوازي مع المعارك كانت حجة أنطيوخوس أنَّ كل ما في آسيا هو من ممتلكات جده سلوقس الأول وقد آلت إليه بالإرث لكنها اغتصبت من المصريين فيما بعد أما المصريون فكانت حجتهم أن الزمن كان كفيلاً في تحويل اليهودية والسامرة وفلسطين وسورية المجوفة وكل ما بين لبنان الشرقي والغربي وفينيقيا إلى منطقة مصرية ..

 

حملة أنطيوخوس الكبرى لإخضاع الشرق:

أدرك أنطيوخوس أن انتصاره الحاسم لن يتحقق إلا إذا أخذ نفساً عميقاً في الشرق وأحضر من ذلك الخزان الكبير الفيلة والخيول الجنود التي سينتصر بها .. وفي طريقه إلى المنابع في الشرق طوع أرمينيا وميديا وفرثيا  (PARTHIAN KINGDOM) ثم  بكتريا ( منطقة تركمانستان وأفغانستان) التي كانت حدودها تصل إلى الهند ثم وصل إلى حوض السند (الباكستان حالياً) فاعترفوا له جميعاً بسيادة العرش السوري وتعهدوا بتقديم الفيلة الحربية والعتاد والمؤون التي يطلبها  فكان مجموع ما غنمه أنطيوخوس خلال حملته المظفرة هذه مئة وخمسين فيلاً وفي رواية أخرى 500 فيل سيكون لها أثرها في انتصاراته اللاحقة

ومن الهند آخر محطة في حملته المظفرة إلى الشرق استدار أنطيوخوس عائداً إلى سوريا عابراً سهوب آسيا الوسطى وبلاد فارس في درب طويل دانَ له فيه كل ملوكه وحكامه فدخل عاصمته الشرقية سلوقيا التي على دجلة عام 205 ق م مظفراً مبجلاً مكللاً بالغار ومن هذا التاريخ لم يعد يذكر أنطيوخوس الثالث على لسان أحد من المؤرخين إلا مع لقب ( الكبير ) .أو (العظيم)  ميغاس

وبقصد استكمال السيطرة على طرق التجارة الدولية بين الشرق والغرب ركب أنطيوخوس سفنه في دجلة قاصداً الخليج الفارسي حيث قامت على ضفته الغربية (شمال قطر - مقابل البحرين) دولة صغيرة فيها مدينة وحيدة اسمها (جرها) كان أهلها  يتعهدون الخط التجاري من مرفئهم (جرها) إلى البتراء فنجح بمهمته من بعيد إذ ارسلوا له الهدايا كدليل على الولاء اسوة بحكام (تايلوس – TYLOS). البحرين الذين حملوه بهدايا من اللؤلؤ أيضاً

 

الحرب السورية الخامسة:

في العام 204 ق م    وما إن سمع أنطيوخوس خبر وفاة ملك مصر الذي وقع معه المعاهدة    حتى توغل في سوريا المجوفة (البقاع)   ثم إلى فلسطين واستحوذ كافة مدنها بدون مقاومة تذكر    ووصل إلى تخوم مصر بمعركتين صغيرتين    وهكذا أصبحت كل سوريا الطبيعية موحدة تحت راية أنطيوخوس الثالث الكبير..  

سارع رجال الدولة في مصر وطلبوا الحماية من روما   وطالبوها بإرسال من يلزم ليكون وصياً على الملك الصغير    وجيشاً يحمي إرثه حتى يشب ويبقى حليفاً لها.      فسارعت روما تلك الدولة الفتية الناشئة حديثاً لتلبية الطلب   وعينت مارك لابيدوس وصياً على ملك مصر    وأرسلت مفوضين اثنين يبلغان الملكين السوري والمقدوني بأن كل اعتداء على مصر هو اعتداء على روما  . فكان هذا الحدث أول اتصال مباشر أُرخ له بين روما وأنطاكيا في التاريخ  وخطورته تكمن في أنه حصل بعد أن قامت هذه الدولة الفتية النهمة روما بتقليص نفوذ قرطاجة الفينيقية في الغرب   إذ تغلبوا على هنيبعل في معركة الزاما...   ذلك الجبار الذي جعلهم يخافون من غسل أيديهم في البحر السوري (المتوسط كما كان يدعى)،   مما يشير إلى إدراكهم بأن ملك أنطاكيا صاحبة هذا الذيل الطويل في آسيا     قد ينجح في ما كان قد أخفق فيه هنيبعل    فأتت دعوة مصر لهم بمثابة حجة وحل لقضيتهم الرئيسية  

 

لوحة تخيلية لاحدى معارك الحرب بين جيش هنيبعل وجيش روما

.انتهز الحاكم الروماني في مصر فرصة انشغال انطيوخوس شمالاً ..وأرسل جيشاً عام 199 ق م ليسترد مدن فلسطين    فأخذ اليهودية وأورشليم وغزة وبعض المدن الأخرى    وعاد إلى الإسكندرية ليقضي فصل الشتاء.    فما كان من أنطيوخوس إلا أن عاد مسرعاً  فاجتاح سوريا الجنوبية كلها    وطرد الحاميات المصرية   وعندها عاد سكوباس قائد جيوش مصر من الإسكندرية  فاستدرجه أنطيوخوس إلى الداخل السوري والتقى الجيشان في بانياس التي في الجولان    (نسبة للإله بان)   ونشبت المعركة الكبرى التي عرفت بالحرب السورية الخامسة    وكانت نتيجتها أن تمزَّق الجيش المصري شر تمزق  

بعد استقرار الأمور واستتباب الأمن في سورية الطبيعية كلها    شعر أنطيوخوس بأن جبهته أصبحت في الشمال بل في أوربا ... وحتى يضمن ظهره في صراعه القادم    اقترح على المصريين صلحاً طويلاً متيناً   يدعمه تزويج ابنته كليوباترا (أصبحت كليوباترا الأولى) إلى ملك مصر القاصر بطليموس إبيفانيوس.عند بلوغه سن الزواج،   وعند إتمام الزفاف يجعل سوريا الجنوبية مهراً لابنته وعربون محبة وسلام،    فاستحسن المصريون الأمر ووقعوا اتفاقاً بذلك وتركوه يفعل شمالاً ما يشاء .

في ذلك الزمان لم يبقَ في العالم إلا قوتان رئيستان    سوريا    وروما،   ولم يكن صعباً على أي مراقب أن يدرك أن المواجهة بينهما أصبحت حتمية ووشيكة.ومما زاد التوتر عند الرومان أنهم تبلغوا نبأ وجدود هنيبعل القائد القرطاجي في بلاط أنطيوخوس    فبادروا إلى افتعال المشكل بأن أرسلوا وفداً  يطلبون من أنطيوخوس طلبات استفزازية مثل إعادة فلسطين إلى ملك مصر واعطاء الاستقلال لبعض مدن آسيا الصغرى

فأجابهم أنطيوخوس بحزم موصوف: إن ملك مصر سيظفر بفلسطين عندما يبلغ سن الزواج وإن المدن التي تطلب الاستقلال في آسيا يجب أن تطلبه منه وليس من الرومان وطلب منهم عدم التدخل في شؤونه كما يفعل هو ولا يتدخل في شؤونهم في إيطاليا وإن دخوله إلى أوربا هو لاسترداد أملاك أجداده فقط ولا داعيَ للقلق.

وهنا في هذه العجالة لن أتكلم عن تفاصيل الحرب السورية الرومانية الكبرى الشيقة جداً والتي تمت على مرحلتين وسأكتفي بنتيجتها المؤسفة وهي خسارة كبرى لأنطيوخوس الكبير ..أما القوة الجديدة الناشئة فكانت هذه الحرب بمثابة خط البداية لما سمي فيما بعد بالعصر الروماني وتحول بعدها اسم البحر السوري إلى بحر الرومان ثم الروم  

إذا خسر أنطيوخوس الحرب السورية الرومانية الاولى في موقعة ترموبيلي Thermopylae عام 192 ق.م، وأصيب هو بحجر كبير كسر له أسنانه ففرَّ من ساحة المعركة من شدة الألم. وفي (ترموبيلي) انتهت الحرب السورية الرومانية الأولى استؤنفت الحرب في العام 190 ق م في موقعة قرب مغنيزيا Magnesia (جنوب غرب تركيا اليوم) وكانت النتيجة هزيمة نكراء للجيش السوري فقتل أكثر من خمسين ألف من المقاتلين وأسر ألفاً وأربعمئة، فترك أنطيوخوس ساحة المعركة وعاد إلى أنطاكيا مكسور الجناح.. وبذلك انتهت هذه الحرب التي لم يحضرها هنيبعل لأنه كان محاصراً في بمفيليا وأصبحت روما بنتيجتها سيدة العالم بدون منازع كان ذلك عام 190 ق م

الجدير بالذكر أن الرومان حتى بعد هزيمة انطيوخوس لم يدخلوا ربوع سوريا وربما لنفس الاسباب التي منعت هنيبعل من عدم دخول روما بعد انكسار الجيش الروماني لكنهم وضعوا في معاهدة الصلح التالية شروط مجحفة لا يتحملها إلا المضطر

 

الفيلة دبابات ذلك الزمن

 والشروط هي

1-أن يتخلى أنطيوخوس عن كل ما وراء جبال طوروس

2-أن يدفع كامل نفقات الحرب البالغة 15000 تالنت فضي ( تعادل 15 طناً من الذهب )[1] فيدفع على الفور خمس مئة تالنت وألفين وخمسمئة عن تصديق المعاهدة في (الندوة) في روما ثم يقسط الباقي على اثني عشر قسطاً خلال اثني عشر عاماً 

3-أن يقدم عشرين رجلاً يختارهم الرومان كرهائن لحسن تنفيذ الاتفاق يتم تبديلهم كل ثلاث سنوات ما عدا ابن أنطيوخوس.

4-أن يسلمهم كل من كان سبباً باصطلاء نار الحرب وكان على رأس المطلوبين عدوهم اللدود هانيبعل وتواس الإتولي.

5-أن يمتنع أنطيوخوس عن تجنيد المرتزقة والجنود من المناطق التي خرجت عن سيطرته.

6-أن يسلم الفيلة ولا يمتلك أكثر من عشرين سفينة حربية أو سفينة قادرة على القتال وهو عدد كافٍ باعتقادهم للدفاع عن موانئه

وافق أنطيوخوس على الشروط ووقع وفده المعاهدة التي عرفت فيما بعد بمعاهدة أفاميا (أفاميا التي في تركيا حالياً)

سفينة فينيقية

أرسل القائد الروماني وفدَ أنطيوخوس مع الرهائن إلى روما ليلتمس تصديق العقد من قبل (الندوة) وكان بين الرهائن الابن الثاني لأنطيوخس الثالث الذي أصبح فيما صديقنا أنطيوخوس الرابع بعد ملكاً، ولمّا مثل الوفد أمام الندوة لم يطلبوا إلا تصديق الاتفاق وفور الموافقة عمت الاحتفالات في روما وقدم أهلها القرابين للآلهة. تم ذلك في عام 189 ق. م، والبعض يحسبها في 188 ق.م.

..لما سمع هنيبعل بالشروط المجحفة فرَّ قبل توقيع المعاهدة إلى بثينية (BITHYNIA ) في آسيا الصغرى (خارج نطاق سلطة أنطيوخوس) حيث وعده ملكها بروسيوس الثاني (PRUSIUS II ) بملاذٍ آمن إلى أن افتضح أمره ولم يعد يستطيع الحاكم حمايته فانتحر عام 183 ق م قائلاً في انتحاره: (إن هذا سيوفر على الرومان قلقهم في انتظار موت رجل مسن مكروه).

كلف أنطيوخوس ابنه سلوقس وليَّ العهد بإدارة البلاد وأصبح بعد الهزيمة حادَ الطبع، كثير الشراب. ولما توجه شرقاً ليجمع ما يمكن جمعه من ذهب لدفع الغرامة الهائلة التي التزم بها لروما. وعندما كان في عيلام في بلاد فارس هاجمته الجموع الثائرة وقتلوه لأنه حاول الاستيلاء على ذهب معبد جوبيتر هناك كان ذلك عام 187 ق.م وبهذا انتهت حياة أنطيوخوس الكبير التي دامت ستة وثلاثين عاماً حافلة بالأحداث الكبرى التي غيرت وجه التاريخ سواء بالانتصارات أم بالهزائم . .

ثم تولى بعد أنطيوخوس الكبير ابنه  سلوقس الرابع فيلوباتر (فيلوباتر = محب أبيه)سابع ملوك سوريا 187 - 175 ق م...

لم تحدث في حياة هذا الملك أحداثٌ ذات قيمة تاريخية، فبعد موت والده أنطيوخس الثالث (187 ق.م) استقلت الأقاليم التي كان قد ضمها والدُه لملكه واقتصرت حدود الدولة السلوقية السورية على الهلال الخصيب (سوريا الطبيعية) وغرب إيران، وبدأت الإمبراطورية الرومانية بفرض سطوتها على المتوسط، أما سلوقس الرابع هذا فقد قضى فترة ملكه يجمع المال اللازم ليفي بما التزم به للرومان في معاهدة أفاميا (التي في تركيا) حيث وقـّعها والده.

وفي تلك الفترة كانت أخته كليوباترا تحكم مصر مع زوجها بطليموس إبيفانيوس الذي ما إن بدأ بالاستعداد لمهاجمة سوريا في محاولة لاسترداد سورية المجوفة، حتى دس له أعوانه السم فمات عام 181 ق.م، وعندها انفردت كليوباترا الأولى أخت سلوقس الرابع بالحكم كوصية على الملك الصغير بطليموس فيلوماتر (ومعناها محب أمه) الذي كان له من العمر ست سنوات فقط.

أما في سوريا وحيث إن اتفاقية السلام مع روما تنص على أن يكون ابن ملك سوريا من الرهائن الدائمين حتى انتهاء دفع الأقساط فقد قام سلوقس الرابع بإرسال ابنه البكر وولي عهده ديميتريوس -عندما اشتد عوده- إلى روما ليستبدل به أخاه الذي كان رهينة عند الرومان منذ توقيع المعاهدة في عهد والده فخلا البلاط السوري من وريث شرعي لوهلةٍ من الزمن كانت كافية لإغراء الوزير هليودوروس، فدس لسلوقس السم بقصد الاستيلاء على العرش عن طريق الوصاية على ابنه الثاني الطفل المدعو أنطيوخوس الذي أعلنه ملكاً فور موت والده عام 175 ق.م.

ولما أطلق سراح أنطيوخوس سارع بالعودة إلى وطنه مشتاقاً بعد أن قضى في الإقامة الجبرية ثلاث عشرة سنة. وفي طريق عودته تبلغ نبأ وفاة أخيه واستيلاء الوزيرهليودوروس على العرش بصفته وصياً على ابن أخيه الطفل فما كان منه إلا أن لجأ إلى أومان ملك برغامس وأخيه آثال في الأناضول وطلب منهما المساعدة لاسترجاع ملكه وعرشه من المغتصب ولما كانت روما قد أظهرت الرضا عن هذا الطلب لبّى الملكان الطلب وجيّشا له ما أمكن من قوة استطاع بواسطتها استرداد ملكه وارتقاء العرش.. وبذلك أصبح اسمه أنطيوخوس الرابع إبيفانيوس ومعناها الشريف أو المتألق أو الشهير وفي بعض المسكوكات لقب نفسه إلهاً وغازياً أحياناً.

أنطيوخوس الرابع ابقانيوس

إذا آل الحكم في سوريا إلى أنطيوخوس الرابع إيبيفانيوس (إيبيفانيوس = المتألق -الشريف) فكان ثامن ملوك سوريا وحكم من (175 ـ 164 ق.م)

لم يظلم المؤرخون حاكماً أو ملكاً بقدر ما ظلموا وافتروا على أنطيوخوس الرابع... منهم مَنْ وصفه بغريب الأطوار ومنهم بالساذج والممسوس ومنهم مَنْ نحا منحى التوراة فوصفه بالحقير كما ورد في سفر دانيال (فصل 11 عدد 21) (حقير لا يعطى مزية ملك) وفي سفر المكابيين قالوا عنه (جرثومة). كل هذا القدح والذم لأنه وضع اليهود أمام الخيار الصعب عليهم منذ ذلك الزمان.. لقد خيرهم بين الاندماج في المجتمع كبقية الشعوب أو الرحيل..  

أورد لكم ما كتبه عنه بوليب (POLYBIUS) الذي كان معاصراً له: (كان يحب العزلة عن قصره وأعوانه، فيطوف هنا وهناك في المدينة مصحوباً بخادم أو خادمين فقط، وكان كثير التردد إلى حوانيت الصاغة الذين يصنعون الحلي الفضية والذهبية مكثراً البحث مع الحفارين والنقاشين مبدياً ولعه بصناعتهم. وكان يود مخالطة سفلة القوم (عامة الشعب بلغة هذه الأيام) ومحادثتهم ويأكل ويشرب مع ضيوفهم متطفلاً على موائدهم وإذا علم أن بعض الشبان التأموا في موضع للهو باغتَهم بحضوره بينهم. وكان أكثرهم يفرّ منه، وكان يخلع ملابسه الملكية ويتدثر بالوشاح الروماني فيأخذ بيد بعض السفلة ويعانق غيرهم ويسألهم أن ينتخبوه لمقام في مملكته فإذا حاز الانتخاب استوى على كرسي من عاج على عادة الرومانيين وسمع الدعاوي متأنياً وأبدى الرصانة والعناية في أحكامه حتى حار فيه العقلاء فكان بعضهم يحسبه ساذجاً وبعضهم ممسوساً. وكان تنويله الهبات للناس فيهب بعضهم عظيمات وبعضهم ثمراً وبعضهم ذهباً ويكرم أحياناً من لم يعرفـْهم ولم يرَهم وكان يستحم في الحمامات التي يستحم بها عامة الناس وعند تكاثرهم فيها )

والآن وبعد هذا التوصيف هل كان هذا الملك حقيراً ؟؟؟

تأثر أنطيوخوس بالثقافة الرومانية حيث أقام ثلاث عشرة سنة في روما التي كانت جمهورية آنذاك فكان شعبياً بتصرفاته، يحب مجالس الفلاسفة، وقد اعتنق من المذاهب الفلسفية المنتشرة آنذاك (الرواقية) نسبة إلى زينون الرواقي ثم تحول إلى الأبيقورية بتأثير من الفيلسوف السوري اللاذقاني (فيلونيدس) ونتيجة ًلتأثره بهذين المذهبين تكونت لديه طباع خاصة جعلت المؤرخين يصفونه بالغرابة والخروج عن المألوف. أما المؤرخون اليهود فقد أساؤوا له بسيرته لأنه اضطهد اليهود.. والمسيحيون فيما بعد لحقوهم بدون تفكير ..لقد  وصفه آخرون في فترات لاحقة بأنه كان مولعاً بالشرب مبغضاً للوجاء قاسيا مثل نيرون.,,,لقد أطلقوا احكامهم متأثرين بسفر المكابيين .

إن هذا التناقض في تقييم هذا الملك بين قيمنا اليوم وقيم ذلك الزمان مثال حي على ان قيم الحق والخير والجمال متحولة ليس فقط بحسب المكان بل بحسب الزمان أيضاً وإن الفضيلة شأن نسبي وليست مطلقة أنها نسبية بحسب المكان والزمان ويدل أيضاً على أن ملكنا هذا كان سابقاً لزمانه

والآن ماذا فعل أنطيوخوس الرابع وما هي بصماته في جبين سوريا التي أحبها

سأتكلم عن ثلاث عناوين رئيسية قام بها هذا الملك السابق لعصره

 

-      الحرب السورية السادسة في سبيل فلسطين:

-      محاولة إدماج اليهود بالمجتمع السوري

-      احتفالات دفنا

في الصراع السوري المصري على فلسطين فاق أنطيوخوس كل أجداده فحربه كانت على ثلاث دفعات أو حملات ..

 

كليوباترا الاولى

في البداية كانت كليوباترا الأولى أخت أنطيوخوس وصية على ابنها القاصر في مصر بعد وفاة زوجها بطليموس أبيفانيوس وقد أحسنت إدارة أمور البلاد، وكانت علاقتها جيدة مع أخيها في الشمال لكنها توفيت عام 173 ق م فعهد بالحكم إلى الاوصياء الذين ما إن تسلموا مهمتهم حتى طالبوا ملك سوريا أنطيوخوس بإعادة فلسطين وسوريا المجوفة إلى مصر .. أما أنطيوخوس الرابع فكان يجيب: إن كسابقيه المنطقة المذكورة جزء من سوريا بالأساس وهي آسيوية وإن بطليموس اغتصبها عندما كان سلوقس منشغلاً في الأناضول، وإن أباه استردها بحق لكنه وعد بها مهراً لابنته عند زواجها من ملك مصر من قبيل كفّ شر المصريين مؤقتاً حتى يستطيع الوقوف مرتاحاً في مواجهة الرومان في الشمال وهذه الهبة باطلة لأنها تمّت تحت الضغط... وعندما كانت المراسلات في هذا الشأن على قدم وساق احتفل المصريون ببلوغ ملكهم الخامسة عشرة وهو موعد تتويجه فأرسل أنطيوخوس الرابع أبولونيوس أحد كبار أعوانه إلى مصر للتهنئة والتقصي عن نوايا المصريين.. ولما عاد الرسول أبلغ سيده: إن الأمر جدي وإن المصريين يستعدون للحرب حزم أنطيوخوس أمره فسار جنوباً وفي الوقت نفسه أرسل وفداً إلى روما لطمأنتها أن الحرب محدودة.. التقى الجيشان في جبل قاسيون الذي في سيناء قبل (فرما) وهي بور سعيد حالياً وكان اسمها آنذاك (بلوزيون) ونشبت المعركة في 171 ق م فكان نصراً سهلاً لأنطيوخوس، ولسبب غير معروف اكتفى باحتلال بوابة مصر (بور سعيد) وانسحب شمالاً وبذلك اقتصرت نتيجه الحملة على تحصين الحدود الجنوبية لسوريا والقضاء على أحلام المصريين.باستلام ثغر مصر .

أما الحملة الثانية فكانت في ربيع 170 ق م حين تبلغ أنَّ المصريين يستعدون للانتقام فتوجه فوراً جنوباً براً وبحراً فانتصر ثانية بسهولة وانكسر الجيش المصري... لكنه هذه المرة توغل في داخل المصري فتوجه إلى ممفيس عاصمة مصر القديمة ودخلها فاتحاً وبذلك سقطت مصر بأكملها (ما عدا الإسكندرية) بيد أنطيوخوس فاستطاع بنصره هذا أن يسجل سابقة لم يستطع أحد من أجداده فعلها. ( لقد نقل ساحة المعارك إلى داخل مصر )

بغضّ النظر عن طريقة وصول بطليموس مصر إلى بلاط أنطيوخوس أكان أسراً أم طواعية الذي اختلف فيه المؤرخون فقد أحسن أنطيوخس ضيافة ابن أخته ملك مصر وعامله معاملة الملوك وجعله يأكل على مائدته أمام الملأ...

لما سمع أهل الإسكندرية التي لم تستسلم بأن ملكهم يمكث في ضيافة أنطيوخوس ويأكل معه ويسامره في مجلسه اعتبروه أسيراً لدى السوريين مسلوبَ الإرادة فقاموا بتنصيب أخيه الصغير القاصر ملكاً عليهم وسموه بطليموس أوراجات (المحسن) وعاد الأوصياء إلى الحكم والتحكم كسابق عهدهم.فاستاء  أنطيوخوس كثيراً من عملهم وسار بجيشه باتجاه الإسكندرية لإخضاعها. ولما رأى بطليموس أوراجات وأخته كليوباترا الثانية الجيش السوري مِن على الأسوار سارعوا إلى إرسال وفد إلى روما لطلب النجدة والحماية منها.

مثلَ الوفد المصري أمام رجال الندوة في روما (مجلس الشيوخ) وكانوا يلبسون ثياب الحداد وبخطاب مؤثر أقنعوا رجال الندوة بدعمهم وإرسال من يلزم لردع انطيوخوس وإيقافه عند حد وتوافق طلب النجدة هذا مع رغبتهم الثابتة بعدم عودة السوريين إلى ساحة الأقوياء فقرروا إرسال وفد لأنطيوخوس وبطليموس وتهديدهما بأن من يتسبب في الحرب سيكون عدواً لروما.

وبعد فترة قصيرة ترك أنطيوخوس ابن اخته بطليموس الملك المخلوع في مصر وانسحب عائداً إلى سوريا ولم يذكر المؤرخون سبباً واضحاً لهذا الانسحاب إلا أن بعض الدراسات الحديثة والتحليلات تفيد بأن اضطرابات داخلية حصلت في فلسطين افتعلها اليهود وبعض القبائل المشايعة للمصريين كانت السبب في انسحابه الفجائي، أو أنه كان يعدّ لحملة باتجاه الشرق لتعزيز قواه العسكرية وخزينته، أو أن رسالة من روما جعلته ينسحب بهذه الصورةالمفاجئة.. لكن بغض النظر عن الأسباب كان قد عين ولاة وحكاماً موالين له ولبطليموس الخامس المخلوع في أغلب المدن التي افتتحها في مصر وترك حامية عسكرية في (بلوزيون) بور سعيد.

أنطيوخوس يحتل مصر ثانية:

لم يكد أنطيوخوس يخرج من مصر حتى تصالح البطليموسان وأختهما كليوباترا الثانية واتفقا أن يتربع الثلاثة على عرش مصر ويحكموا البلد شراكة.. لم يعجب هذا الاتفاق أنطيوخوس فعاد في ربيع سنة 168 ق م وأمر جيوشه بالتقدم تجاه الإسكندرية. ولما كان ملوك مصر عاجزين عن المواجهة فقد أرسلوا يسألونه عن مطالبه فربما استطاعوا تسليمه سِلماً ما يريده بالحرب وأعربوا له عن عدم رغبتهم في المواجهة فأفادهم بأنه لن يسحب جيشه وأسطوله إلا بعد الاعتراف له بجزيرة قبرص والإقليم المجاور لفرع النيل الشرقي، وحدد لهم مهلة لتلبية طلباته. ولما لم يكن في وسع بلاط الإسكندرية الموافقة على مثل هذه المطالب، فقد أرسل استغاثة إلى روما في الوقت الذي تحرك فيه أنطيوخس باتجاه ممفيس حيث توج نفسه فرعوناً ومنها إلى الإسكندرية التي ضرب عليها الحصار.

ورداً على استغاثة الإسكندرية قرر مجلس الشيوخ الروماني إيفاد بعثة برئاسة (بوبيليوس لايناس) لإبلاغ أنطيوخس مطالبهم القاضية بالانسحاب الفوري من مصر، وفي ضاحية قريبة من الإسكندرية حدثت المقابلة المشهورة بين أنطيوخس ولايناس الروماني، فعندما مدَّ أنطيوخس يده للسفير الروماني الذي كان يعرفه سابقاً عندما كان في روما لم يقابله السفير بالمثل بل وضع في يده رسالة مجلس الشيوخ وطلب إليه أن يقرأها، وعندما قرأ أنطيوخس الرسالة أعلن بأنه يطلب مهلة للتشاور مع حاشيته (حسب قاعدة البلاط السوري في العصر الهيلنستي) فلم يكن من السفير الروماني إلا أن خطّ بعصا كانت في يده دائرة حول الملك وطلب إليه أن يرد على الرسالة قبل أن يخطو خارج تلك الدائرة، فاستاء أنطيوخس من هذا المسلك الغريب وتردد لحظة ثم أعلن أنه يوافق على ما جاء في الرسالة، وعندئذ حيّا السفير وأعضاء الوفد الملك تحية ودية، وبدأ أنطيوخس بإصدار أوامره للانسحاب من قبرص ومصر.ولكنه ثبت بحملاته هذه سورية فلسطين والساحل السوري

أنطيوخوس يخيّر اليهود بين الاندماج والموت..

كان أنطيوخوس كما قلنا متأثراً بالفلسفة الرواقية ثم انتقل إلى الأبيقورية وكلتا الفلسفتين تتناقضان تماماً مع فلسفة أو دين اليهود الحرفي المتزمت الذي لا يترك فسحة لتطوير العقل وتشريف الحياة وتجميلها .. لقد كان أنطيوخوس متحمساً لنشر عقيدته في أرجاء مملكته كلها ومن الطبيعي أن يكون اليهود عقبة ًأمامه في هذا المجال لقد أراد ان يكون شعبه واحداً موحداً يعتنق عقيدة واحدة فينظرون إلى الفضيلة نظرة واحدة بل ينظرون إلى كل جوانب الحياة نظرة واحدة فيرون الحق واحداً والخير واحداً والجمال واحداً  فيحرمون نفس المحرمات ويحللون نفس المحللات ولا ينشا بينهم خلاف مفكك للامة ومشتت للقوى ولا يكون في البيت الواحد سبباً مقنعاً للاقتتال  ... فأصدر أمراً خطياً إلى شعوب سوريا كافة وهو كما ورد في التوراة سفر المكابيين الأول 1 -  43 : 

(وَكَتَبَ الْمَلِكُ أَنْطِيُوكُسُ إِلَى مَمْلَكَتِهِ كُلِّهَا بِأَنْ يَكُونُوا جَمِيعُهُمْ شَعْباً وَاحِداً، وَيَتْرُكُوا كُلُّ وَاحِدٍ سُنَنَهُ. فَأَذْعَنَتِ الأُمَمُ بِأَسْرِهَا لِكَلاَمِ الْمَلِكِ.  وَكَثِيرُونَ مِنْ إِسْرَائِيلَ ارْتَضَوْا دِينَهُ، وَذَبَحُوا لِلأَصْنَامِ، وَدَنَّسُوا السَّبْتَ. وَأَنْفَذَ الْمَلِكُ كُتُباً عَلَى أَيْدِي رُسُلٍ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَمُدُنِ يَهُوذَا، أَنْ يَتْبَعُوا سُنَنَ الأَجَانِبِ فِي الأَرْضِ. وَيَمْتَنِعُوا عَنِ الْمُحْرَقَاتِ وَالذَّبِيحَةِ وَالسَّكِيبِ فِي الْمَقْدِسِ - وَيُدَنِّسُوا السُّبُوتَ وَالأَعْيَادَ،- وَيُنَجِّسُوا الْمَقَادِسَ وَالْقِدِّيسِينَ، وَيَبْتَنُوا مَذَابِحَ وَهَيَاكِلَ وَمَعَابِدَ لِلأَصْنَامِ وَيَذْبَحُوا الْخَنَازِيرَ وَالْحَيَوَانَاتِ النَّجِسَةَ، وَيَتْرُكُوا بَنِيهِمْ قُلْفاً، وَيُقَذِّرُوا نُفُوسَهُمْ بِكُلِّ نَجَاسَةٍ وَرِجْسٍ، حَتَّى يَنْسَوُا الشَّرِيعَةَ وَيُغَيِّرُوا جَمِيعَ الأَحْكَامِ. وَمَنْ لاَ يَعْمَلْ بِمُقْتَضَى كَلاَمِ الْمَلِكِ يُقْتَلْ.)

وكما هو واضح قبل بعض الشباب المتحضرين من اليهود الفكرة وخاصة سكان أورشليم وتحمسوا للفكر الجديد وأعربوا لأنطيوخوس عن تأييدهم له ورغبتهم في نشر الفكر الهيليني بين صفوف ملتهم وقد ورد في التوراة: المكابيين 1 (1 – 11) (وَخَرَجَتْ مِنْهُمْ جُرْثُومَة ٌ أَثِيمَة ٌ، هِيَ أَنْطِيُوكُسُ الشَّهِيرُ ابْنُ أَنْطُيُوكُسَ الْمَلِكِ، وَكَانَ رَهِينَة ً فِي رُومِيَةَ، وَمَلَكَ فِي السَّنَةِ الْمِئَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالثَّلاَثِينَ مِنْ دَوْلَةِ الْيُونَانِ. وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ خَرَجَ مِنْ إِسْرَائِيلَ أَبْنَاءٌ مُنَافِقُونَ، فَأغْرَوْا كَثِيرِينَ قَائِلِينَ: هَلُمَّ نَعْقِدْ عَهْداً مَعَ الأُمَمِ حوْلَنَا فَإِنَا مُنْذُ انْفَصَلْنَا عَنْهُمْ لَحِقَتْنَا شُرُورٌ كَثِيرَةٌ) .

أمدّ أنطيوخوس الشباب المتحمس للاندماج بالدعم المادي والمعنوي فأقاموا مدرسة في أورشليم لتعليم الفلسفة الأبيقورية والرواقية وكان من رواد المدرسة شاب اسمه يشوع فبدل اسمه ليصبح ياسون وهو اسم يوناني وطلب من الملك أن يتولى رئاسة الأحبار بدل أخيه أونيا ووعد الملك بزيادة المبالغ التي سيدفعها للحزينة سنوياً فأجابه الملك على طلبه وعيَّنه رئيساً لأحبار اليهود وفعلاً بدأ ياسون بتفعيل عملية إدماج اليهود بالمجتمع فأبطل ضرائب الشريعة وسمح بل شجع التزاوج من الغير، وشجع الشباب على التخلي عن ثيابهم وأزيائهم التقليدية وبدأت مظاهر اليهودية بالزوال حتى إنَّ ياسون نفسه شارك في تقدمة الذبائح لمعبد هركليس في مهرجانات صور التي كانت تقام كل خمس سنوات. لكنَّ صراعاً على السلطة نشب مجدداً بين هؤلاء اليهود المتحضرين فتولى شؤونَهم شابٌ آخر اسمه منلاوس الذي أقال ياسون وطرده إلى شرق الأردن وبحسب المؤرخين اليهود كان منلاوس فاسداً مفسداً أساء إلى شعبه كثيراً وحاول القضاء على كل تقليد يهودي مما أثار في نفوسهم الحقد والضغينة ضد الملك

عام 170 ق م انتشرت بين اليهود شائعة أن أنطيوخوس قد قتل في مصر فعمت مظاهر الفرح والسرور عند المتشددين وثاروا على ولاتهم وكهنتهم الموالين للملك وهاجموا مراكز الثقافة والفكر (الوثني) فلما سمع أنطيوخوس بالأمر سار بفرقةٍ من جيشه وأمرهم بالقضاء على الثوار دون رحمة وكان دليله عليهم منلاووس فقضى على ثمانين ألف منهم في ثلاثة أيام فقط وبيع في أسواق العبيد عددٌ مماثل، ونهب كنوز الهيكل التي قدرت بألف وثمانمئة قنطار من الفضة والذهب. ورغم المبالغة الواضحة في رواية المؤرخين الموالين للفكر اليهودي فإن هذه الصورة تعطينا فكرة عن عنف الضربة التي وجهها أنطيوخوس لليهود والتي أدت فيما بعد إلى نشوب الثورة المكابية.

وتقول التوراة إنه في شهر كانون الأول من سنة 168 ق م بنى أنطيوخوس مذبحاً للأصنام على مذبح المحرقات في هيكل أورشليم. وقدموا عليه الذبائح للأصنام كما أشارت التوراة أن أنطيوخوس كلف عناصر من جنده لمراقبة حسن تنفيذ عملية الاندماج فمنعوا ختان الأولاد وعاقبوا الأمهات اللواتي يحملن طفلاً مختوناً، وأكرهوا الرجال على أكل لحم الخنزير وخصصت التوراة فصلاً كاملاً يحكي قصة ألعازر (وهو من علماء سنّة اليهود ) والأخوة السبعة المكابيين وكيف فضلوا الموت وماتوا فعلاً قبل أن يبتلعوا لحم الخنزير الذي كان يوضع قسراً في فمهم.

لكن هذا الإكراه في التخلي عما يفرق أبناء الأمة وهذا الأسلوب العنيف أدى إلى اندلاع ثورة بدأها أحد المتشددين من الكهنة اليهود هو متاتيا الحشموني وكان له خمسة أولاد فرّ معهم إلى الجبال فتحلق حولهم الهاربون فكانوا في بادئ الأمر عصابة يغيرون على المدن ويحرقون الخنازير ويطهرون الأولاد ويقتلون الجنود والعامة من أتباع الملك ممن ارتضوا بالاندماج.. لكن بعد فترة قصيرة تفاقمت الثورة وتحولت العصابة إلى شبه جيش تحت قيادة يهوذا الذي خلف أباه متتيا الكاهن في القيادة وأصبح هذا الجيش المتمرد يحمي مناطق معينة في فلسطين ويسيطر عليها. وكردة فعل محلية قام بعض قادة حاميات المدن والحكام كوالي السامرة بمحاولة القضاء على الثوار لكنهم فشلوا في مرامهم.. وبعد فترة وسّع الثوار دائرة نشاطهم فهاجموا بعض المدن قي شرق الأردن مما دعا تيموتاوس والي تلك المنطقة لاستئجار بعض العرب للدفاع عن ولايته لكنهم فشلوا أمام اليهود وتركوه في الميدان وهربوا إلى أحد المعابد فطاردهم اليهود وأحرقوا المعبد بمن فيه.من عرب

جرد أنطيوخوس حملة ثانية للقضاء على هؤلاء المتمردين المتشددين فأرسل رئيس الجباة أبولونيوس على رأس عشرين ألف جندي لاحتلال أورشليم والقضاء على كل متشدد يهودي فيها وفعلاً لما وصل إلى مشارفها انتظر يوم السبت وهو يوم عطلة اليهود ثم هاجمها واحتلها وأهلكَ خلقاً كثيراً على ما ورد في التوراة (مكابيين 2/ 5 – 24 ) وهدم سورها القديم وبنى حولها سوراً جديداً متيناً وجعلها قلعة حصينة لها أبراج دفاعية واستقدم مواطنين من شتى الملل وأسكنهم فيها فهرب جميع المتشددين إلى الجبال والمغاور وبقيت القدس خارجة عن أي نوع من أنواع السلطة اليهودية حتى 143 ق م حين احتلها سمعان المكابي اليهودي

لا شك أن أنطيوخوس الذي كان مشغولاً في تلك الفترة بالإعداد لمهرجانات دفنا والإعداد لحملة عسكرية باتجاه الشرق لم يكن يعلم أنه في إهماله ثورة اليهود هذه سيرتكب أكبر خطأ في تاريخ سوريا التي أحبها وأرادها موحدة أرضاً وشعباً.. فبعد وفاته بعشرين سنة وفي عهد من سيتولى بعده من ملوك سيتحول هذا الجيش الصغير من المتمردين وبدعم مصري سري إلى جيش استطاع الاستيلاء على أورشليم والحصول على نوع من أنواع الحكم الذاتي لشبه دولة سميت في الفهارس بالدولة المكابية[2] الحشمونية نسبة إلى حشمون قرية متاتيا.

وهنا لا بد أن نشير إلى أن المكابيين لم يكونوا مستقلين استقلالاً تاماً كما يدعي اليهود اليوم بدلالة ما ورد في سفر المكابيين الأول فالملك السوري هو من كان يعين ويعطي الشرعية للحبر الأعظم (مك1 – 11 27/ ) و(مك1 – 11 /57 ) وهو من سمح لليهود بضرب نقود خاصة بهم [و قد أبحت لك أن تضرب في بلادك سكة خاصة (مك1- 15 – 6 )] وكانت نقودهم خالية من الصور مزينة بأشكال نباتية لأن اليهود يحرمون الصور البشرية على النقود لشبهها بالأصنام

احتفالات منتجعات دفنا قرب أنطاكيا:

لا نستطيع ونحن في مجال سرد سيرة هذا الملك أن نغفل ذكر أكبر احتفالات أو مهرجانات العصر التي نظمها هذا الملك بنفسه بعد خروجه من مصر

فبالرغم من تلك الصدمة المعنوية التي ألحقتها روما بأنطيوخس في مصر، فقد كان وضعه من النواحي السياسية والعسكرية والاقتصادية قوياً لدرجة أنه قرر الرد على الاحتفال الكبير الذي أقامته روما سنة 167ق.م في مدينة أمفيبوليس اليونانية بمناسبة انتصارهم وقهر مقدونية بإقامة احتفال في ضاحية دفنة (بالقرب من أنطاكيا) يضاهي احتفال الرومان عظمة وفخامة. وتزودنا مصادر التاريخ بتفصيلات عن المهرجانات الرائعة التي استُهلت باستعراض عسكري شارك فيه عشرات الآلاف من الجنود من قوميات مختلفة وقد تدرعوا بالدروع الذهبية والفضية الرائعة، وقد ركب بعضهم أجمل الخيول المطهمة والمزينة، ومن خلف هؤلاء مشت فرق الخيالة من سكوثية والأفيال الهندية والمصارعون، ثم تلت هؤلاء مواكب من رجال مدنيين يحملون تيجاناً ذهبية، وألفاً من الثيران التي أعدت للتضحية وثلاثمئة بعثة دبلوماسية من مدن المتوسط ، ثم عرض خاص لأنياب الأفيال، وتماثيل لكافة الآلهة وأنصاف الآلهة ذهبية أو مطلية بالذهب، وأواني رائعة، ونساء متزينات يرششن العطور من زجاجات ذهبية أو محمولات بواسطة محفات لها أرجل مذهبة. وقد تضمنت الاحتفالات التي استمرت شهراً إقامة الألعاب الرياضية ومشاهد المصارعين المحترفين وعراك الحيوانات المتوحشة، كما خصصت بعض الأوقات لكي يجري الخمر في مصدر الماء الرئيسي في مدينة أنطاكية ليشرب منه كل الناس.

كما يؤكد المؤرخون ويركزون على أن أنطيوخس كان يشارك بصورة فعالة جداً في تنظيم الاحتفالات والإعداد لها، فكان يُشاهد تارة يرحب بالضيوف، وأخرى يصدر أوامره التنظيمية، وثالثة يلقي النكات، وأخرى يشارك بالرقصات العامة. ويبدو أن أنطيوخس كان يبغي إدهاش الوفد الروماني برئاسة (تيبريوس سمبرنيوس كراكخوس) الذي عومل بأمر من الملك السوري معاملة ملكية، فوضع القصر الملكي تحت تصرف الوفد وأحاط جميع أعضائه برعاية لم يكن يحظ بها إلا الملوك.

نهاية أنطيوخوس الرابع:

في نهاية 164 ق م وعندما كان أنطيوخوس يقود حملته في الشرق بالقرب من أصفهان شعر بأن المرض لن يبقيه حياً طويلاً فأعلن ابنه أنطيوخوس القاصر ولياً للعهد وأوصى أن يتولى الوصاية عليه أحد قادته الذين كانوا برفقته في حملته ويدعى (فيليب)، لكنه لم يصدر أمراً ينهي فيه مهمة لوسياس الذي كان المشرف والوصي الفعلي على الملك الطفل في العاصمة أنطاكيا مما سبّب خلافاً تحول إلى صراع بين الوصيين بعد وفاته.

توفي أنطيوخوس الرابع عام 164 ق م بعد أن حكم 11 سنة كانت مليئة بالأحداث أهمها احتلال مصر وإنهاء أحلامهم في سوريا المجوفة وفلسطين وتثبيت هوية فلسطين ومدن الساحل وفي عهده وبسبب دعوته الفلسفية نشأت عند اليهود مذاهب وطوائف ما زالت مستمرة في خلافاتها حتى اليوم وبالمقابل تم في عهده وبسبب عنفه الزائد التأسيس لقيام كيان يهودي ذي حكم شبه ذاتي في شؤونه الداخلية سيصبح بواسطة الدعم المصري شوكة في خاصرة سوريا تتراوح قوتها في مد وجزر إلى أن يزيلها الرومان نهائياً من الوجود عام 70 م

 



[1] تم تحديد المبلغ في المعاهدة بـ  (15000 EUBOIC SILVER TALENT  ) والتالنت الفضي يعادل أجرة تسعة رجال مهرة في السنة وأجرة 6000 مقاتل مرتزق في اليوم وقدر أحد الباحثين قيمته الشرائية عام 2004 بـ 20000 $ عندما كان غرام الذهب بـ 600 ل س

[2] المكابيون :هناك عدة احتمالات لتفسير معنى مكابي : 1– مشتق من كلمة كابا ومعناها بالعبرية (أباد وأتلف) نظراً لأنهم كانوا يبيدون أعداء الرب.. 2– مشتق من مخابي ومعناها الجراح والضربات لأنهم كانوا يضربون باسم الله.. 3– مشتق من مخابا: ومعناها مخبأ لأنهم كانوا يختبؤن في المغاور. 4– كانوا يضعون على أعلامهم وتروسهم أربعة أحرف م ك ب ي تبتدئ بها أربعة كلمات معناها بالعبرية (من مثل الرب بين الآلهة) 

 

 

المواضيع المرتبطة
مقالات تاريخية


إضاءة جديدة على اسم ( سوريا )

الأباطرة الحمصيون في روما

أيها التاريخ هل أحكامك دوماً منصفة؟ 2

أيها التاريخ هل أحكامك دوماً منصفة ؟

كليوباترا السورية

ماني والمانوية ( الزندقة )


مقالات عن سوريا


شيء عن سوريا

صور وثائق المؤتمر السوري العام

السيدة نازك العابد

سد خربقة 2000 عام ومازال صامداً

سلسلة ملوك سوريا


مقالات سياسية


تاريخ بلادي هل صنعه أجدادي ؟


مقالات عن حمص


قاموع الهرمل

تدمر وحمص أو حمص دون تدمر

أورانيوس أنطونينوس الحمصي: إمبراطور روماني من المدينة المجاورة لتدمر والعملة


مقالات اجتماعية


خميس الحلاوات وخميس المشايخ في حمص



"بصمات الملك السوري أنطيوخوس إيبيفانس في تاريخ سوريا" | دخول/تسجيل عضو | 0 تعليقات
التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.

التعليق غير مسموح للضيوف, الرجاء التسجيل
 

دخول

الكنية

كلمة المرور

لم تسجل بعد؟ تستطيع التسجيل. بعد التسجيل يمكنك تغيير شكل الموقع, والتحكم في التعليقات وإرسال تعليقات بإسمك.

روابط ذات صلة

· زيادة حول مقالات اجتماعية
· الأخبار بواسطة m.semaan


أكثر مقال قراءة عن مقالات اجتماعية:
ماني والمانوية ( الزندقة )

تقييم المقال

المعدل: 0
تصويتات: 0

الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

خيارات


 صفحة للطباعة صفحة للطباعة






انشاء الصفحة: 0.87 ثانية
صفحات اخرى في الموقع: ماني والمانوية ( الزندقة ) | الزوبعـة الحمـراء | الفصل الثّاني : السّلائل البشريّة | قضية ضريح الخليفة عمر بن عبد العزيز | الفصل الأوّل : نشوء النّوع البشريّ | المحاضرة الثامنة | خميس الحلاوات وخميس المشايخ في حمص | الفصل الثّالث : الأرض وجغرافيتها | سلسلة ملوك سوريا | الجهل المُطبق | مدار الخلاف بين المحمدية والمسيحية | أغراض الدين واختلاف المذاهب | مناطق ونواحي وقرى ومزارع محافظة حمص | المحاضرة الثانية | ضايعة الطاسة | مدار الخلاف بين المسيحية والمحمدية 2 | ضعف الإدراك من نقص العقل | الحزب السوري القومي الاجتماعي أسباب نشأته | نصوص المحمديّة كدولة | العروبة أفلست | الفصل الرّابع : الاجتماع البشريّ | السيدة نازك العابد | خميس النبات أو خميس القلعة | البقاء للأمة الرفيق جورج لازر | المحاضرة السادسة | كتاب الاسلام في رسالتيه | لماذا العراق ..؟ | أسماء المحافظين الذين توالوا على إدارة محافظة حمص ..! | البقاء للأمة الرفيق جورج سمان | باب أي حارة يقصدون | بين الدين والدّولة | المحاضرة العاشرة | المحاضرة التاسعة | كليوباترا السورية | إلى أمريكا الجزيلة الاحترام .. | المحاضرة السابعة | أورانيوس أنطونينوس الحمصي: إمبراطور روماني من المدينة المجاورة لتدمر والعملة | بين الجمود والارتقاء | حاربنا العروبة الوهمية لنقيم العروبة الواقعية | من نحن | الزعيم أنطون سعادة في سطور | العُروبة الدّينية والدّعاوات الأجنبيّة | ما الذي دفعني لانشاء الحزب | بين الهوس والتديّن | المحاضرة الرابعة | خرقاء ذات نيفة | حياة الزعيم أنطون سعادة بقلم الأمين بشير موصلي | تدمر وحمص أو حمص دون تدمر | ولم يتمكن منه المنافقون | قاموع الهرمل |
[ المزيد من الصفحات ]