المديريات

مديرية صدد

القائمة الرئيسية

 الصفحة الأولى

 عقيدتنا
· المحاضرات العشر
· نشوء الأمم
· الاسلام في رسالتيه
· مقالات في العقيدة

 مقالات مختارة
· تاريخية
· ساسية
· اجتماعية
· من الأصدقاء
· مقالات عن حمص
· مقالات عن سوريا
· مقالات عن الحزب

 معرض الصور
· صور من أحياء حمص القديمة
· صور من الأرشيف لحمص
· صور حديثة لحمص
· صور من المديريات

 معرض الفيديو

 متحف حمص
· صور لتحف حمص
· وثائق من حمص

 الأخبار
· أخبار حمص
· أخبار الأمة
· أخبار منفذية حمص
· أخبار الحزب السوري القومي الاجتماعي

 للاتصال بنا
· للاتصال بنا
· للتعريف بنا
· لارسال خبر

 أرشيف
· أرشيف المقالات

 خريطة الموقع
· خريطة الموقع

من صور المعرض

حفرة أقبية الكتلة الشرقية في شارع القوتلي وتظهر المياة التي نبعت من الساقية القديمة
حفرة أقبية الكتلة ال ...

ساحة حي باب السوق ـ الساعة القديمة
ساحة حي باب السوق ـ ...

المأذنة المقطومة بداية القرن العشرين
المأذنة المقطومة بدا ...

معرض الصور

عداد الموقع

تم استعراض
3047330
صفحة للعرض منذ 1 أذار 2009

من يتصفح الأن

يوجد حاليا, ضيف/ضيوف عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

بين الدين والدّولة
أرسلت بواسطة m.semaan في الأربعاء 04 أذار 2009
الاسلام في رسالتيه

الاسلام في رسالتيه

بين الدين والدّولة

 

إن النتيجة النهائية، التي وصلنا إليها في البحث السابق وهي أن المذهبين المسيحي والمحمدي متفقان كل الاتفاق في الأغراض الدينية الأخيرة وأن الواجب على أتباعهما يقضي بترك محاربة بعضهم البعض ومحاولة إخضاع بعضهم بعضاً، لا توافق رجال السلطة الروحية من الملتين ولا رجال النفوذ السياسي المبني على المذهب والملة. فرجال الدين من الملتين لا يقبلون الاعتراف بأن المذهبين صحيحان وهما دين واحد، فكلّ فريق يدَّعي أن "دينه" هو الصحيح وأن خلاص النفوس لا يتمّ إلاّ به. ومما لا شك فيه أن هذا البحث ليس موجهاً إلى رجال الدين أنفسهم، بل إلى الخاصة والعامة من العلمانيين، فإذا كان رجال الدين قد وقفوا أنفسهم عليه فإن الدين لم ولن يقف نفسه عليهم.

إلى جميع الناس غير رجال الدين نوجه هذه الدعوة: : لنترك رجال الدين يتناظرون ما شاؤوا المناظرة في أيّ "الأديان" أصحّها، بشرط أن لا يتعدّوا حدود المناظرة إلى تهييج الغوغاء والسُّذَّج وغرس الأحقاد بين أبناء الوطن الواحد باسم الدين.

إن هذه الدعوة تعني ترك العصيبة الدينية واعتناق العصبية القومية التي تجعل جميع السوريين محمدييهم ومسيحييهم عصبة واحدة.



هذه هي الدعوة التي يتحملها في سورية الحزب السوري القومي الاجتماعي. وقد اصطدمت هذه الدعوة بمقاومة من الملتين المسيحية والمحمدية. أما حجة أبناء الملة المسيحية فكانت أن الوحدة القومية تعيد المسيحيين إلى عهد الخضوع لدولة محمدية لا حقوق مدنية وسياسية فيها للمسيحيين، وهذه أقوى حجج المدنيين المسيحيين باستثناء بعض المهووسين الذين يدسون هنا وهناك عبارات الكره والحقد على المحمديين، واكتفوا بالدَّسّ، ولم يقدروا على تقديم نظرية يمكن أن تكون شبه عقيدة. وأما حجة أبناء الملَّة المحمدية فكانت ذات نظرية مؤسَّسة على نصوص دينية كالتي عالجنا بعضها في ما تقدم، وقال بها رجلان خطيران كالسيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده اللذين استند إلى أبحاثهما أكثر المحمديين الذين يقاومون نشوء القومية الاجتماعية في سورية لتكون رابطة تحلّ في الاجتماع والحقوق محلّ الملة. ولما كان هذا البحث مختصاً، بالأكثر، بمناقشة أصحاب هذه النظرية التي صفق المحمديون كثيراً في المهجر لرشيد سليم الخوري الذي تحزَّب لها لغاية في نفسه فسنتابع، المناقشة لنصل إلى نتيجة حاسمة.

ولكن لا بد من زيادة إيضاح الأسباب الداعية لتخصيص معظم هذا البحث بالوجهة المحمدية، وأهمُّ هذه الأسباب هو طبيعة كل من المذهبين واتجاهه؛ فالمسيحية نشأت نشأة دين بحت مجرد من شؤون الدولة والحكم، فقد اختص الدين في الإسلام المسيحي بالأفراد ومعتقداتهم ومناقبهم. أما الدين في الإسلام المحمدي فقد بيَّنا، في ما تقدم من هذا البحث، أنه اضطرَّ لأخذ طبيعة البيئة التي نشأ فيها بعين الاعتبار. وطبيعة البيئة اقتضت إيجاد الدولة لتكون وسيلة لإقامة الدين. ولما كان غرض الدولة إقامة الدين كان لا بد أن يكون الدين أساسها، فهي وُجدت بالدين لإقامة الدين. ومن هذه الضرورة الخاصة بالبيئة العربية نشأ هذا الارتباط الوثيق بين الدولة والدين في الإسلام المحمدي حتى التبس أمر كليهما حتى على أكبر المفكرين المحمديين. ولهذا السبب نجد مسألة الفصل بين الدين والدولة في الملة المحمدية أصعب حلاًّ منها في الملة المسيحية، لأن الدولة موجودة في النصوص القرآنية كما هي موجودة في نصوص التوراة، ولكنها ليست موجودة في نصوص الإنجيل. وبناء على النصوص القرآنية أمكن صاحبي "العروة الوثقى" القول "أن لا جنسية للمسلمين إلاّ في دينهم"، والقول، مخاطبين المسلمين المحمديين: "هل نسوا وعد الله لهم بأن يرثوا الأرض وهم العباد الصالحون؟" ("العروة الوثقى" ص 149) والقول: "الديانة الإسلامية وُضِع أساسها على طلب الغلب والشوكة والافتتاح والعزة ورفض كل قانون يخالف شريعتها ونبذ كل سلطة لا يكون القائم بها صاحب الولاية على تنفيذ أحكامها" (أيضاً ص 77) والقول "ومن الأوامر الشرعية أن لا يدع المسلمون تنمية ملتهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله"" وذلك "لإعلاء كلمة الحق وبسطة الملك وعموم السيادة" (أيضاً ص 164) والقول "كيف ومعظم الأحكام الدينية موقوف إجراؤه على قوة الولاية الشرعية" (أيضاً ص 165) وكل هذه الأقوال بعيد عن الصواب وليس فيه تدبُّر صحيح لنصوص الدين في الرسالة المحمدية وتاريخها، كما بيَّنا ونبيِّن، بل هي جميعها نتيجة استبداد في الاجتهاد من أجل الوصول إلى أغراض سياسية مبنية على نظرة الدولة الدينية والجنسية الدينية.

تقدم قولنا أن الرسالة المحمدية تقسم إلى قسمين: القسم المكي والقسم المدني، ثم عدنا فقلنا أن النصوص القرآنية على وجهين: وجهٍ في الدين ووجهٍ في الدولة. والقسم المكي هو الأكثر اختصاصاً بالوجهة الدينية، والقسم المدني هو الأكثر اختصاصاً بالوجهة الدولية. وهذا الازدواج في اتجاه الرسالة المحمدية الذي لم يحصل له، في ما مضى، دراسة تجمع وجهتيه في وحدة فكرية روحية هو الذي يسهل لأصحاب الأغراض السياسية الأخذ بأيّ وجه أرادوا حسبما يوافق أغراضهم، وهو ليس عيب القرآن، بل نقص الثقافة التاريخية الاجتماعية وعدم تدبّر الرسالة المحمدية كما يجب.

وأصحاب الأغراض السياسية لا يريدون نشوء هذه الدراسة في الإسلام المحمدي لأنها يمكن أن تقضي على جميع محاولات استخدام الدين للأغراض السياسية والمطامع الخصوصية. فإذا ظلت المحمدية بعيدة عن هذه الدراسة التكنيكية لم يخشَ هؤلاء الأراخنة افتضاح أمرهم بعكسهم الاتجاه الأول للمحمدية، فإن محمداً استخدم الدولة لإقامة الدين وجعل الدين أساساً لتنظيم شعب باقٍ في حالة همجية. أما هؤلاء الدبلماتيون فيريدون استخدام الدين لتنفيذ المطامع السياسية.

وليس هذا جديداً في المحمدية، بل شيئاً قديماً ظهر في أطوار تاريخية كثيرة. فقد وجد المتنازعون على السلطة والسيادة أسباباً كافية في ثنائية الإسلام المحمدي للمبالغة في العناد والمكابرة، حتى أنه يمكن كتابة مجلدات في هذا الباب في حجج العروبيين والشعوبيين وفي النزاع حتى بين الصحابة وبين الأمويين وبيت علي. ونكتفي للدلالة على سعة التلاعب بثنائية النصوص القرآنية بإيراد هذا الحادث الذي جرى لمعاوية إذ خاطب الناس قائلاً: "أيها الناس إن الله فضَّل قريشاً بثلاث فقال لنبيه، عليه الصلاة والسلام: {وأنذر عشيرتك الأقربين} فنحن عشيرته. وقال: {وإنه لذكر لقومك} فنحن قومه. وقال: {لإيلاف قريش إيلافهم} إلى قوله: {والذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ونحن قريش".
فأجابه رجل من الأنصار: "على رسلك يا معاوية فإن الله يقول: {وكذب به قومك} وأنتم قومه. وقال: {ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون} وأنتم قومه. وقال الرسول عليه الصلاة والسلام: "يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً" وأنتم قومه، ثلاثة بثلاثة ولو زِدْتَنا زدناك".

هذا مثل رائع من استخدام ثنائية النص القرآني في أغراض المنافسات والمطامع وفاقاً للظروف والحالات. والذين يجدون سهولة في سلك هذا المسلك لا يريدون أن تقوم دراسة توضح أن هذه الثنائية ليست مطلقة بل مقيدة ومرتبطة بوحدة فلسفية يجب استخراجها وإبرازها بصورة واضحة لإيجاد الاستقرار الروحي في الملة المحمدية لتهتم بشؤون الارتقاء الثقافي فلا تظلّ معرَّضة لتضحية غرض الدين في سبيل غرض السياسة التي يهمها الدولة والسلطان والحكم أكثر مما يهمها الدين والارتقاء الروحي والمُثل العليا والتقدم الاجتماعي.

درسنا في الحلقات المتأخرة من هذا البحث الناحية الدينية من الإسلام المحمدي، وأوضحنا ما هي أغراض هذا الدين الأخيرة وأنها لا تتضارب مع الأغراض الدينية في الإسلام المسيحي، وأثبتنا أن النصوص القرآنية نفسها تؤكد ذلك توكيداً لا يمكن دحضه، وبذلك نكون قد أجبنا جواباً قاطعاً على السؤالين اللذين ألقيناهما في بحث "بين الهوس والتدين" وهما: أصحيح أن الدين الإسلامي في الرسالة المحمدية لا يتمّ إلاّ بإعلائه على المذاهب الأخرى وبيع المحمديين أنفسهم حتى يتم انتصار المحمدية وتعمّ العالم، وأن هذا هو غرضه الأساسي؟ وإلى أين يقودنا الاعتقاد بأن صحة "الديانة" المحمدية هي في محاربة أهل "الأديان" الأخرى حتى يدينوا بها أو يخضعوا للمسلمين المحمديين؟.

إن النصوص القرآنية التي أثبتناها تنفي نفياً باتاً أن هذا هو غرض الديانة في المحمدية، وأن إيجاب القرآن على المؤمنين به الاعتقاد بصحة الإنجيل بل وصحة التوراة أيضاً والإيمان بما ورد فيهما يقرر نهائياً أن الدين الصحيح، من جهة المحمدية، يقوم بالمسيحية كما يقوم بها وبالإنجيل كما بالقرآن. وقد نص القرآن على أن الذين "يؤمنون بالآخرة" (من أهل الكتاب: التوراة والإنجيل) لا حاجة بهم لتغيير "صلاتهم"، بل هم يحافظون عليها حتى ولو آمنوا بالقرآن. وكان الأحرى بالذين يرغبون في التقدُّم الإنساني من المحمديين أن يتدبَّروا هذه الآية الجلية من سور النعام التي تسند قولنا في ما سبق بأن اتجاه الرسالة المحمدية كان للاتفاق مع الرسالات السابقة والاشتراك معها على محاربة عبادة الأصنام وإقامة الدين الإلهي، فالآية المذكورة لم تطلب من "أهل الكتاب" غير الإيمان بأن القرآن كتاب يدعو إلى الله وأن دعوته صحيحة وهي تؤمِّنهم على "صَلاتهم" حسب كتابه ولا توجب عليهم تغيير "صلاتهم"، وآيات قرآنية أخرى عديدة تسند حكم هذه الآية كتخصيص القرآن ومحمد بالذين لم يأتِهم رسول من قبل وكانوا في ضلال مبين، وكلها ترمي إلى إزالة كل احتمال للتصادم والتضارب مع المسيحية واليهودية وإلى توحيد جهود هذه الفرق ضد المشركين عبدة الأوثان. ولو أن المسيحيين واليهود في العربة عززوا محمداً وأيدوه ووافقوه على المشركين لكانوا أزالوا عقبات كثيرة من الطريق. وكل منصف متأمِّل في هذه الآيات الحكيمة، وقد أثبتنا معظمها في الأبحاث المتقدمة، يجد أنها فتحت وتفتح باب التفاهم واسعاً إذا حسن القصد من المحمديين والمسيحيين على السواء، وهي تقطع على متعنِّتي المسيحيين حججهم الباطلة القائلة انه لا يمكن الاتفاق مع المحمديين، وكلامَهم المُشبع جهلاً القائل إنه لا يمكن حصول الاتحاد القومي الاجتماعي في سورية إلاّ بزوال القرآن. وهذه الآيات عينها لا تسمح، من الوجهة الأخرى، للمسلمين المحمديين بالغلوّ في الحزبية الدينية، واعتبار أن مئات الأجيال البريئة يجب أن تسقط فريسة التقاطُع والتناحُر بسبب بعض أغلاط بعض الأوّلين. وفي ما يختص بالمسيحيين في هذا الباب نجد أن القرآن شهد لهم بصدق الوجدان وبأنهم لم يكونوا مع المحمديين كالمشركين ولا كاليهود، فبعد الآية التي أثبتناها آنفاً التي جاء فيها {ولتجدنَّ أقربهم مودّة للّذين آمنوا الذين قالوا إنَّا نصارى} تأتي هذه الآية {وإذا سمعوا (النصارى) ما أنزل إلى الرّسول ترى أعينهم تفيض من الدّمع ممّا عرفوا من الحقِّ} (المائدة: 83) ومتى علمنا أنه وُجد في العربة مسيحيون لم يفهموا من الإيمان المسيحي أكثر مما فهم محمديوها من الإيمان بالقرآن لأنهم كانوا أعراباً جهلة مردوا على النفاق، اتضح لنا كم هو فاسد الالتجاء إلى الحجج القديمة لاستمرار الفتنة الدينية.

ولقد قلنا أن مسألة مذاهب المسيحيين في العربة يجب أن يُفرد لها درسٌ خاصٌّ لا يشمل موضوعه المسيحيين، المتمدنين، يؤيد هذا القول أن عليَّا بن أبي طالب استثنى نصارى بني تغلب من حكم آية "المائدة" التي حللت للمحمديين طعام "أهل الكتاب" والتزوُّج من نسائهم، فقال فيهم: "ليسوا على النصرانية ولم يأخذوا منها إلاّ شرب الخمر"، فكم يصدق على كثير من نصارى العرب تأويلهم ولادة المسيح وكلام الإنجيل، وخصوصاً قضية تثليث الأقانيم؟.

بناء على ما تقدم يصحّ أن نسأل الذاهبين مذهب السيد الأفغاني والشيخ محمد عبده في تأويل القرآن: هل ماتت جميع هذه الآيات السنية في القرآن، أو هل نسخت بآيات أخرى يدل ظاهرها على أنه مخالف لها فأصبحت باطلة؟

إن ثنائية النص القرآني ليس معناها أنه يوجد للرسالة المحمدية خطتان متباينتان ومستقلتان، الواحدة عن الأخرى استقلالاً كلياً بحيث يجوز للمؤمن أن يختارَ إحداهما مرةً والأخرى مرة أخرى كما يروق له أو يوافق مصالحه أو مطامعه، بل معناها أنَّ هنالك وحدةً كامنةً بين نوعي النص المحمدي، وأن هذه الوحدة يجب أن تُستخرج من مبدأ ترابُط الأسباب والمسببات ومن معرفة نسبة الواسطة إلى الغاية ومن درس العلاقة الوثيقة بين النص القرآني والأسباب الموجبة أو الحوادث الجارية. فإذا لم يتَّجه الاجتهاد إلى استخراج هذه الوحدة بهذه الطريقة الاستقرائية التحليلية، فلا مهربَ من الوقوع في مغالطات الهوس الديني السياسي الذي كثيراً ما يضحِّي حقيقة الدين على مذهب الأهواء الجامحة، ويطوِّح بالمحمديين في مغامرات لا تعود على دينهم بفائدة ولا على دنياهم بخير.

على هذا الطريق السلبي سارت مدرسة السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده فغرَّرت بجماعات كثيرة من المحمديين في مصر وسورية والهند وإيران وأفغانستان، وكانت نتائجها خيبة تلو خيبة، فإن مبدأ "الجنسية الدينية" للمحمديين نُسِفَ من أسِّه؛ فالمحمدية لم تكن أحسن حظاً من المسيحية في توحيد الأمم باسمها. فالأتراك لم يقبلوا تضحية جنسيتهم الاجتماعية في سبيل "جنسيتهم الدينية"، ولم يقبل بذلك الفرس ولا أية أمة محمدية أخرى استيقظت لوحدتها الاجتماعية ـ الاقتصادية ـ الجغرافية ـ السلالية ولمطامحها ومثلُها العليا المنبثقة من هذه الأصول والعوامل. فذهبت صيحات الكاتبين الأفغاني وعبده في سبيل الوحدة أدراج الرياح، ولكنها تركت أثراً سيئاً بين الذين تعلقوا بها في سورية وأقطار أخرى فغرّرت وطوّحت بهم وراء نظرية فاسدة شغلتهم عن طلب وحدتهم القومية فسبقتهم إليها الأمم التي لم تستسلم لهذا الإغراء، حتى إنّ تركية ومصر تفاهمتا على خسارة السوريين لواء الاسكندرون للأتراك بعد أن تمت لهذه (مصر) بالاتفاق مع الإنكليز سلخ شبه جزيرة سيناء من سورية.

إن نظرية مدرسة الأفغاني وعبده القائلة "بالجامعة الإسلامية" والدولة الدينية و"الجنسية الدينية" للمحمديين تقول أن المحمدية دولة وإن النصوص الدولية للمحمدية هي الدين. فدعوة هذه المدرسة هي إلى إقامة دولة الدين "ومنازعة كل ذي شوكة في شوكته" ومحاربة "الأديان" الأخرى ليرث المحمديون أرضها، تأويلاً لما ورد في القرآن، وإلى جعل قاعدة الإيمان القتال. فالمؤمن لا يكون صحيح الإيمان حتى "يكون أول أعماله تقديم ما له وروحه في سبيل الإيمان، لا يراعي في ذلك عذراً ولا تعلّة، وكل اعتذار في القعود عن نصرة الله فهو آية النفاق وعلامة البعد عن الله". (انظر العروة الوثقى ص 247).

والحركة التي توجه هذه الدعوة إليها هي "جمع كلمة المسلمين"، فيطلب السيد الأفغاني من العلماء "أن يسارعوا إلى هذا الخير وهو الخير كله"! (أيضاً ص 248).

الحقيقة أنه إذا كان هذا هو الخير كله في المحمدية لهذه المدرسة الفكرية فمذهبها الصحيح هو: الإيمان ببعض الكتاب والكفر بالبعض الآخر، وإن آيات التحريض على القتال وإظهار "الإسلام على الدين كله" قد نسخت الآيات الزكية الهادئة التي ترفع القيمة الروحية على القيمة المادية وأبطلت حكمتها.

وبناء على مذهب هذه المدرسة الفكرية المحمدية يجب على المؤمن نبذ مثل هذه الآية وهجرُها: {ادعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالّتي هي أحسنُ إنّ ربّك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} (النحل. مكية: 125) ومثلها {ومن جاهد فإنّما يجاهد لنفسه إنّ الله لغنيٌّ عن العالمين} (العنكبوت. مكية: 6) ومثلها {وعباد الرحمن الّذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً} (الفرقان. مكية: 63) فهذه الآيات وغيرها كثير مما أثبتناه من قبل ومما لم نثبته ليست من الخير في شيء، في عرف مدرسة الدولة الدينية والجنسية الدينية، لأنها لا تقول إن "كل اعتذار في القعود عن نصرة الله فهو آية النفاق وعلامة البعد عن "الله"، فالآية المثبتة فوق القائلة إن الله غني عن العالمين هي آية كاذبة، وكذلك الآية القائلة بالدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة فهي باطلة والمؤمن الذي يعمل بها يكون في عرف هذه المدرسة منافقاً.

فالدين، لهذه المدرسة وأضرابها، ليس ما هو مثبت في القرآن كله وليس بالإيمان بكل ما ورد فيه، بل هو ما شاءت أهواؤهم ومذاهبهم، وبالإيمان ببعض الكتاب دون بعض، أو بالإيمان ببعض الكتاب مرة، وببعضه الآخر مرة أخرى في تقلُّب دائم.

إننا نعلم أن هذه الحجج القاطعة التي أوردناها لا تسدّ جميع أبواب الجدَل في وجه أتْباع مدرسة الجنسية الدينية، وكأننا نسمع بعضهم يقولون: إذا كانت آيات القتال ونصرة الله لا تبطل آيات الدعوة بالحكمة والموعظة والاكتفاء بالإرشاد والإنذار وسلك طريق الإقناع فهل تبطل هذه الآيات الأخيرة آيات القتال ونصرة الله؟

وجوابنا: كلا وألف كلاّ، فبعض آي الكتاب لا يمكن أن يبطلَ بعضَ آيه إلا للذين لا يتدبَّرونه، فإذا أخذهم الهوس والزيغ عن كلمة الحق هاجوا واحتجوا ببعض الكتاب وعموا عن بعضه. وقالوا إن الخير كل الخير في الأخذ بآيات معينة والإعراض عن آيات معينة حتى يتم القول: إن على قلوب إقفالها.

إن القتال فُرِضَ على المحمديين لإقامة الدين حيث يوجد من يريد إبطاله، أي حيث يكون نزاع ديني كالذي جرى في العربة مع أهل الشرّك؛ أما حيث لا يُوجد شرك وحيث النزاع قائم بين مجتمع ومجتمع، بين أمّة وأمّة، بالمعنى الاجتماعي، فالدعوة إلى الجهاد الديني لا تدلّ إلاّ على عقلية أولية كعقلية العرب الذين لم يفهم معظمهم من المسيحية غير شرب الخمر، ولا من المحمدية غير طلب الغنائم.

المواضيع المرتبطة
نشوء الأمم


مقدمة نشوء الأمم

الفصل الأوّل : نشوء النّوع البشريّ

الفصل الثّاني : السّلائل البشريّة

الفصل الثّالث : الأرض وجغرافيتها

الفصل الرّابع : الاجتماع البشريّ

الفصل الخامس : المجتمع وتطوّره

الفصل السّادس : نشوء الدّولة وتطوّرها

الفصل السّابع : الإثم الكنعانيّ

مستندات وهوامش نشوء الأمم

كتاب نشوء الأمم


المحاضرات العشر


المحاضرة الأولى

المحاضرة الثانية

المحاضرة الثالثة

المحاضرة الرابعة

المحاضرة الخامسة

المحاضرة السادسة

المحاضرة السابعة

المحاضرة الثامنة

المحاضرة التاسعة

المحاضرة العاشرة

كتاب المحاضرات العشر


الاسلام في رسالتيه


كتاب الاسلام في رسالتيه

الضلال البعيد

الجهل المُطبق

الفهم المغلق

ولم يتمكن منه المنافقون

ما لم يعط للجهّال

خرقاء ذات نيفة

ليس من علم كمن لا يعلم

تأويل الجاهلين

ضعف الإدراك من نقص العقل

بين الجمود والارتقاء

بين الهوس والتديّن

أغراض الدين واختلاف المذاهب

مدار الخلاف بين المحمدية والمسيحية

مدار الخلاف بين المسيحية والمحمدية 2

الدين والفلسفة الاجتماعية

نصوص المحمديّة كدولة

في الدولة والحرب الدينية

الدين والدولة

العُروبة الزائفة والعروبة الصحيحة

العُروبة الدّينية والدّعاوات الأجنبيّة

العُروبة كقوّة إذاعيَّة للمطامع السّيَاسية الفردية

التعنتات المسيحية

الخلاصة


شيء عن الحزب


الحزب في سطور

حياة الزعيم أنطون سعادة بقلم الأمين بشير موصلي

حياة الزعيم

الزعيم أنطون سعادة في سطور

ما الذي دفعني لانشاء الحزب

الحزب السوري القومي الاجتماعي أسباب نشأته


عقيدتنا


أيتها الشبيبة السورية الى الأمام

مبادىء أساية بالتربية القومية

الزوبعـة الحمـراء

العروبة أفلست

حاربنا العروبة الوهمية لنقيم العروبة الواقعية

إلى إدوار سعادة



"بين الدين والدّولة" | دخول/تسجيل عضو | 0 تعليقات
التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.

التعليق غير مسموح للضيوف, الرجاء التسجيل
 

دخول

الكنية

كلمة المرور

لم تسجل بعد؟ تستطيع التسجيل. بعد التسجيل يمكنك تغيير شكل الموقع, والتحكم في التعليقات وإرسال تعليقات بإسمك.

روابط ذات صلة

· زيادة حول عقيدتنا
· الأخبار بواسطة m.semaan


أكثر مقال قراءة عن عقيدتنا:
كتاب الاسلام في رسالتيه

تقييم المقال

المعدل: 0
تصويتات: 0

الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

خيارات


 صفحة للطباعة صفحة للطباعة






انشاء الصفحة: 0.69 ثانية
صفحات اخرى في الموقع: من نحن | الهروب الكبير من معتقل أنصار | ولم يتمكن منه المنافقون | كتاب نشوء الأمم | صور وثائق المؤتمر السوري العام | البقاء للأمة الرفيق جورج سمان | ماني والمانوية ( الزندقة ) | منفذية حمص تقيم احتفال ضخما بذكرى التأسيس | بين الهوس والتديّن | العُروبة الزائفة والعروبة الصحيحة | المحاضرة الأولى | الأباطرة الحمصيون في روما | الخلاصة | سلسلة ملوك سوريا | مناطق ونواحي وقرى ومزارع محافظة حمص | حمص والعقارب | الفهم المغلق | أيتها الشبيبة السورية الى الأمام | ستيف جوبس حمصي الدم والنسب | ما الذي دفعني لانشاء الحزب | مدار الخلاف بين المسيحية والمحمدية 2 | البقاء للأمة عيسى كساب | مستندات وهوامش نشوء الأمم | الحزب السوري القومي الاجتماعي أسباب نشأته | حاربنا العروبة الوهمية لنقيم العروبة الواقعية | مبادىء أساية بالتربية القومية | الجهل المُطبق | منفذية حمص تحيي أربعين الرفيق جورج سمان | أعراض الجوية شاذة في تاريخ مدينة حمص | كليوباترا السورية | الفصل الرّابع : الاجتماع البشريّ | قضية ضريح الخليفة عمر بن عبد العزيز | الفصل الثّاني : السّلائل البشريّة | تأويل الجاهلين | بين الجمود والارتقاء | العروبة أفلست | أغراض الدين واختلاف المذاهب | البقاء للأمة الرفيق عزت صايمة | كتاب المحاضرات العشر | شي عن حمص | البقاء للأمة وفاة الخوري إبراهيم بيطار‏ | مقدمة نشوء الأمم | سد خربقة 2000 عام ومازال صامداً | كتاب الاسلام في رسالتيه | خميس النبات أو خميس القلعة | شيء عن سوريا | نظرة من خارج السرب هل الديمقراطية العددية مفيدة لمجتمعنا | (من الفرات إلى النيل.)حدود توراتية .. أم أوهام عروبية ..؟ | التعنتات المسيحية | باب أي حارة يقصدون |
[ المزيد من الصفحات ]